فيصل الخريجي

فيصل الخريجي

طالما كانت مصر أم الدنيا منار الأرض ومصدر العلم والحكمة، وتعتبر المعين الأبرز الذي نهل منه العرب حضارتهم ولا ينكر ذلك إلا حاقد أو جاحد، وأخص في مقالي هذا القانون المصري ورجاله وقضاءه الشامخ الذي يتوقف الزمان والرجال أمام حكمتهم ومؤلفاتهم التي ملأت الدنيا حكمة وعدالة ومبادئ تعزز العدالة وتعالج مشكلات البشرية في تعاملاتها وواقعها بما يكفل استمرار التعايش السلمي والعادل بين البشر.
وفي هذا السياق القانوني الجميل أذكر المعين المتدفق والبحر الزاخر أبو القانون العربي والدساتير العربية الدكتور/ عبدالرزاق السنهوري باشا الذي «ولد سنة 1895م في مدينة الإسكندرية لأسرة فقيرة، وعاش طفولته يتيماً، حصل على الشهادة الثانوية من المدرسة العباسية بالإسكندرية عام 1913 م وكان ترتيبه الثاني على طلاب القطر المصري، ونال درجة الليسانس في الحقوق سنة 1917م من مدرسة الحقوق الخديوية بالقاهرة (باللغة الإنجليزية)، وجاء ترتيبه الأول على جميع الطلاب، رغم أنه كان يعمل موظفاً في وزارة المالية إلى جانب دراسته، سافر إلى فرنسا سنة 1921م في بعثة علمية لدراسة القانون بجامعة ليون، أسندت إليه وزارة العدل المصرية مشروع القانون المدني الجديد، فاستطاع إنجاز المشروع، ورفض الحصول على أي مكافأة»
بالفعل نحن نتحدث عن قامة قانونية صنعت ملامح القانون والعدالة في مصر والعالم العربي ومن أعماله:
1.القانون المدني المصري ومذكرته الإيضاحية.. وشروحه (الوسيط) – وهو في حقيقته «مبسوط».
2.القانون المدني العراقي ومذكرته الإيضاحية.
3.القانون المدني السوري ومذكرته الإيضاحية.. وقانون البينات – بما فيه من قواعد الإثبات الموضوعية والإجرائية.
4.دستور دولة الكويت وقوانينها: التجاري والجنائي والإجراءات الجنائية والمرافعات وقانون الشركات وقوانين عقود المقاولة، والوكالة عن المسؤولية التقصيرية وعن كل الفروع وهي التي جمعت -فيما بعد- في القانون المدني الكويتي.
5.القانون المدني الليبي ومذكرته الإيضاحية.
6.دستور دولة السودان.
7.دستور دولة الإمارات العربية المتحدة.
أتحدث عن هذه القامة العظيمة – رحمه الله تعالى- ونفسي تواقة إلى أن يبعث الله نظيره في بلادي المملكة العربية السعودية، وأخص بلادي بالأمنية لأنها بلادي ولأنها الكوكب الدري اللامع الذي إن أضاءت فيه فكرة أو منطق أو حتى عادة شاعت وذاعت في الأصقاع وسارت بها الركبان لقوة ما لها و لأهلها من تأثير في محيطهم الإسلامي والعرب، فالسعوديون شعب حي شديد التأثير في محيطه، إلا أن انتشار فقهاء وقانوني سناب قد يعيق تلك الأمنية ويصرف أهل القانون عن التأليف والبحث في أمهات الكتب واستنباط المبادئ من الأحكام القضائية لانشغالهم بشهرة البرنامج سناب وجماهيره العريضة المفتونة به، حيث أصبحت ثقافة فقيه سناب السائدة والمهيمنة فلا مؤلفات تذكر ولا دراسات تشكر ولا بحوث استقراء للمبادئ تنشر، فماذا عساي أن أفعل بك يا سناب باشا؟! وما جدوى متابعتك! هل ملكت عصى موسى؟! لتختزل القانون والفقه وآلاف الصفحات ومئات المجلدات الضخمة في سناب الشهرة، لست ضد برنامج سناب إذا كان لغرض التوعية القانونية للأشخاص غير المختصين في القانون، ولكن لا يعقل أن تكون السنابات مصدراً لأخذ كتاب القانون بقوة ولن تكون لاستحالة ذلك وسطحيته، لدرجة أن بعض متلقي السنابات أصبح يسلم بالاستفادة من المعلومة التي قد يطالها الخطأ أو القصور، فلا يصح أن تكون نهاية أمل القانوني أن يطرح سناباً يورثه لأحفاده ويترك العلم الحقيقي المتمثل في التأليف والدراسات والبحوث واستقراء واستنباط المبادئ من الأحكام القضائية، فيضمحل العلم ويقل بسبب نشوة تقنية عابرة.
يا معشر القانونيين، انهلوا العلم من منابعه، لا يصرفنكم فقهاء سناب عن تلك الينابيع المتدفقة علماً وفقهاً وحكمةً، ولا أعمم فهناك من فقهاء السناب عالي الهمة حسن النية لكن تبقى للعلم موارده الأساسية ومراجعه الأصلية فمن أراده فليأخذه بقوة من منابته ومكامنه، أما السناب فللتوعية والإلمام ببعض المعلومات، وليس لنيل المراتب العليّة في العلم.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٧٩٣) صفحة (٨) بتاريخ (٣١-١٠-٢٠١٦)