كلنا طيبون ومثاليون.. «أحياناً» وعندما يتم استدعاؤنا لتصوير حلقة تليفزيونية نعلن وبكل فخر انتماءنا لعوالم الإنسانية ونحتفي في سهراتنا البراقة على أنغام الموسيقى الحالمة بياقاتنا العالية وملابسنا المترفة التي اخترناها بعناية فائقة لتليق بمناسبة «التخفي» ونحن نتباهى بمنتهى الثقة برهافة الإحساس وعذوبة المشاعر، ونطلق شعارات الإنسانية والدينية في كل المحافل ونغني للطفولة ولمواعيد العدالة البراقة ونغزل السيمفونيات الناعمة على إيقاعنا العربي المتهالك كما استفدنا من عمليات التجميل التي قدمت لنا ميزة التشابه وجمَّلت أنوفنا حتى لا نرى أبعد منها، وأضافت كل مميزات البراءة على الوجوه التي لم تعد تحتاج إلى أقنعة مؤقتة وعابرة كي تثبت تلبُّسها بالبراءة وكل مزايا التضحيات، كل شيء في أستديو الحياة براق مذهل، وهذه الإضاءات الملونة قادرة على إخفاء عيوب الديكور والأثاث المتهالك وحالة الانقسام والثغرات والثقوب التي ملأت بيتنا العربي لدرجة جعلتنا غير قادرين على تمييز هوية الأشرار وأين يختبئون، فالجميع هنا يتحدث عن القيم والشعارات ونحن في حالة ذهول وتساؤل مستمر غير مصدقين بسبب الهوة السحيقة بين ما نسمعه وما نعيشه، فهؤلاء لم يرتدوا أقنعة تنكرية مخيفة لحضور هالوين الدم العربي في سوريا وفي بلاد الرافدين وفلسطين وفي اليمن، إنهم يحتاجون أقنعة مدعمة بعناصر الإقناع تتحدث عن القيم والمبادئ على منصات التلفزة لإثبات إخلاء المسؤوليات والحصول على صكوك البراءة.
إذاً أين هم الأشرار وأين يختبئون؟ ومن الذي وقَّع فواتير الحروب والفتن والمؤامرات من وراء هدم البيوت وتشريد الأمم؟ وأين الكهوف التي يختبئ فيها مردة هذا العصر الذهبي الذي يحتفي بالحضارات والتقدم؟ أولئك الذين تصدح أصواتهم في المؤتمرات الدولية بمناشدات واستغاثات عظيمة وهم يوقعون تحت موائدهم أوراق مصالحهم الخاصة، فكل ما يحدث يندرج تحت مسمى «النيات الحسنة والنيران الصديقة» حتى الحرب العالمية الثانية يقال إنها تمت بنياتها حسنة، وحتى كل ما نقرأه في وسائل الإعلام من أحاديث وتصريحات صحفية لعتاولة السياسة تقول إن هناك إنسانية عظيمة يعيشها هذا العالم المتحضر الذي ملأ الكون بالأشعار والخطب والحكايات السياسية عن العدالة التي تجعلنا نعيش فصاماً عقلياً، فكل الوجوه متشابهة في سحنة الطيبة، فإذاً من هم الأشرار وقتلة الأطفال وسارقو قلوبهم وأعضائهم؟ من هم الذين أداروا ظهورهم للقيم ومعاني الانتماء وهم ينشدون في كل صباح ويتملقون بكلمات عن الدين والقيم والأخلاق، مما يجعل المتلقي في حالة تخبط، فمن نصدق ومن نكذب؟ الجميع تحت هذه الأضواء طيبون، الجميع هنا أنيقون بما لا يكفي للاعتراف والصدق، للحديث عن مواجعنا وعن المرتزقة والمستفيدين من استنزاف ثرواتنا، ومن تهالك أمتنا ومن تشريد أبنائنا.
الجميع طيبون قادرون على إعفاء أنفسهم من هول المسؤولية التي ندفع ثمنها كل يوم يمر تشرق فيه الشمس على عالم عربي حزين موجوع تكاثرت عليه سكاكين القتلة، أولئك الذين وقفوا بعيداً خلف أطماعهم وهم يرقبون حالة السقوط والنزف المستمر ويوقِّعون على إخلاء مسؤوليتهم وهم يخرجون ما بقي من الرئة العربية من مستشفى الأمل وهم يدَّعون البراءة ويتشدقون بالقيم وبدماثة الأخلاق.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٧٩٧) صفحة (٩) بتاريخ (٠٤-١١-٢٠١٦)