عباس المعيوف

عباس المعيوف

رسالة المعلم ليست مقتصرة داخل الصف والمدرسة، بل هي مشروع حياة لبناء إنسان مدرك لقيمة الوجود والتأثير داخل المجتمعات، ويبقى البعد الأخلاقي هو السمة المحورية في التعامل مع كافة مكونات شرائح المجتمع، المعلم الحقيقي من يحفر ذاكرته في عقول طلابه، وهو الذي يأسرهم بلطفه وأسلوبه وتعامله، متمكناً من مادته معززاً من أطروحاته التعليمية بأفضل السبل. لذا من الصعب أن يحترم الطالب معلمه مادام لا يعير اهتماما واضحاً لمادته ولايقدم المعلومة إلا بالمن، مثل هؤلاء سرعان ما تطحنهم سنين الذكريات ولا يبقى لهم مكان في الذاكرة. من يحمل رسالة التعليم عليه أن يعي أنها رسالة سماء هدفها إثراء العقل بالفكر والثقافة ومؤداها طاعة الله وإعمار الأرض.
معلمون كثر تعلمنا على أيديهم من المرحلة الابتدائية حتى المرحلة الجامعية، كل واحد منهم له طريقته وفنه ومنهجه وفكره. فبعض منهم هدفه تقديم المعلومة وبعضهم الآخر الجلوس على الكرسي وضياع الحصص وقلة قليلة من يعشقون تخصصهم ويقدمونه في قوالب ثقافية للناس.
سيرة المعلم الأستاذ خليل بن إبراهيم بن عبداللطيف الظفر ليست سيرة معلم وانتهت، بل تستحق التوقف عندها لما لها من تأثير وتضحيات وعطاء وحب وكرم ثقافي طيلة فترة خدمته في سلك التعليم.
حديثي عن هذا الرجل ليس من باب السمع بل شاهد عيان، فهو معلمي في المرحلة الابتدائية في مدرسة الملك فيصل -رحمه الله- بالهفوف بداية شارع الماجد، التي أصبحت فيما بعد مركز الإشراف التربوي بالهفوف والمرحلة المتوسطة في نفس المبنى لمدة مؤقتة باسم مدرسة السعودية، وتعلمت على يده مادتي الجغرافيا والتاريخ تحت مسمى اجتماعيات. علاقتي به بدأت من الصف الرابع وانتهت في الصف الثاني المتوسط أي ما يقارب 5 سنوات من الثقافة الحية وليس درس تلقين كما تفعل الأغلبية من المعلمين.
لم تكن علاقة الأستاذ خليل الظفر بمادته علاقة حصة وانتهى الحديث، بل كانت محاضرة بمعنى الكلمة، فلم يكن يلتفت لعنوان الدرس بالمعنى التقليدي بل يتجاوز ذلك لما هو أبعد، وكان أسلوبه مميزاً جداً حيث كان يعتمد على الأسلوب القصصي في سرد الموضوع وكنت واحداً ممن انبهر بثقافته التي تعدت حدود الجغرافيا العالمية، وكان يعطينا سيلاً جارفاً من المعلومات تعادل ما هو موجود في المادة عشر مرات، ففي الجغرافيا مثلا إذا كان الدرس عن ألمانيا يقوم بالحديث عن حروبها وصناعتها وثقافتها وتجارتها واقتصادها ويستمر في الحديث حتى يصل إلى شخصية هتلر الذي ما كنا نعرف عنه شيئا لولا هذا المعلم النبيل. أما مادة التاريخ فيملك تقديم المعلومة بطريقة عقلانية تثير المدى والقراءة الدقيقة للحدث التاريخي، فهو من علمنا تاريخ السيرة النبوية وتاريخ الخلفاء وتاريخ الوطن وزرع فينا معنى المواطنة الصالحة.
كان يتألم عندما يضع اختباراً ولا ينال أحد طلبته المميزين درجة كاملة فيجبره على إعادة الاختبار أو يضع تلقائيا له الدرجة الكاملة وأكثر من مرة قال من يأخذ عندي درجة كاملة في الاختبار ينل مني الدرجة الكاملة وهي 15 درجة، كما كان مميزاً في وضع الأسئلة ويملك قدرة ومهارة على اكتشاف الطالب الغاش من خلال إجابته عن السؤال ومدى استيعابه للمادة والتفاعل معها، ومن النادر جداً أن يغضب أو يضرب طالباً أثار الفوضى أثناء الدرس. هو نموذج فريد من نوعه في تعامله مع الجميع وكان يكره الطائفية والتعصب والتنابز باسم المذاهب ويرفض التصادم في وجهات النظر والجدال الذي يورث الضغينة والشحناء.
كانت بسمة ثغره عنوان تعامله مع زملائه المعلمين وإدارة المدرسة، متعاوناً مع الكادر التعليمي في المناوبة وحصص الانتظار وتطبيق جداول الحصص، ملتزماً بالوقت والحضور من الطابور الصباحي وحتى نهاية الدوام.
وهنا عتبي شديد على إدارة التعليم في الأحساء على عدم تخليد أشخاص ضحوا من أجل الكلمة والعلم والثقافة أمثال أستاذ خليل الظفر ولو بكتاب يحفظ في قسم الاجتماعيات للتعريف به وبأمثاله للأجيال المقبلة.
لم يعش طويلاً أستاذنا الغالي حيث ألمت به وعكة صحية وتدهور وضعه ومنها انتقل إلى رحمة الله تعالي يوم 1431-7-16هـ ودفن في مقبرة الصالحية بالهفوف.
مازال عالقا في الذهن الأستاذ خليل الظفر المعلم والصديق، ذلك الرجل الذي جعلنا نتشبث بالثقافة ونعشق دهاليز قراءة الكتب والتفكير من خارج الصندوق، رحمك الله رب العالمين وأسكنك فسيح جناته.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٧٩٩) صفحة (٨) بتاريخ (٠٦-١١-٢٠١٦)