خرجت من شقتها الصغيرة الواقعة على ناصية أحد الشوارع الباريسية، تحث الخطى وعلامات الدهشة الممزوجة بفرح عارم تجتاح ملامحها السمراء العربية.
عند مدخل منزلها انتظرها عشرات الصحفيين، الكل يريد أن يحصل على كلمة واحدة من ليلى سليماني الفتاة الفرنسية ذات الأصول المغربية، التي حصلت على جائزة «غونكور» الأدبية الرفيعة وهي لم تتجاوز بعد الخامسة والثلاثين.
ولدت ليلى في المغرب وترعرعت هناك، ولم تصل إلى فرنسا إلا عندما أصبح عمرها تسعة عشر عاما لتكمل دراستها الجامعية في باريس، ولتعمل بعد ذلك كصحفية في مجلة معروفة، لكن يبدو أن هذه المهنة لم ترض طموحها فتركتها لتتفرغ لشغفها الأول.. الكتابة.
ما لفتني في حديث ليلى كان إشارتها لوالديها اللذين حرصا على أن تتشرب عشق لغة موليير منذ نعومة أظفارها، وزرعا في قلبها حب القراءة وولع الاطلاع والمعرفة، فلما شبت عن الطوق تحول هذا الشغف إلى موهبة قل نظيرها، أبهرت أحفاد موليير في عقر دارهم وأجبرتهم على منحها جائزتهم الأرقى.
عندما سمعت والدة ليلى بخبر فوزها، استقلت أول طائرة متجهة إلى باريس، لتشارك ابنتها فرحة القطاف لثمار التنوير والثقافة التي زرعتها في نفسها خلال تلك السنوات، وحتى بعد وفاة والدها الذي لم يتوان طوال حياته عن دعم ليلى في سبيل تحقيق أحلامها.
العائلة هي النواة الأولى في حياة كل طفل، هي من تملك بيدها تلك البذور التي تزرعها في تربة عقله الخصبة، وهي من تسير دفة هواياته واهتماماته لتجعل منه شخصا ناجحا مؤثرا في عالمه، وأي تأثير خارجي من المدرسة أو المجتمع سيبقى قيمة مضافة قد يلغيها وجود محيط عائلي لا يشجع أبناءه على النجاح والإبداع.
لكل قاعدة استثناء، ولكني أؤمن شخصيا بأن كل طفل هو مشروع نجاح وتفوق إذا ما توافرت له الظروف الملائمة من تشجيع وتحفيز وإلهام، مغلف بإدراك ووعي واهتمام من عائلة كعائلة ليلى، التي أتمنى أن أرى مثيلا لها في كل بيت عربي، لنصنع جيلا يستعيد أمجاد أجداده ويبهر الغرب علما وأدبا وثقافة.

إيمان الحمود
كاتبة واعلامية سعودية تلقت تعليمها المدرسي في مدينة الجبيل الصناعية شرق المملكة العربية السعودية ،عملت في وسائل… المزيدكاتبة واعلامية سعودية تلقت تعليمها المدرسي في مدينة الجبيل الصناعية شرق المملكة العربية السعودية ،عملت في وسائل إعلامية عدة بينها صحيفة الشرق الأوسط اللندنية بعد أن أكملت دراستها الجامعية في المملكة الأردنية الهاشمية وانتقلت بعدها إلى فرنسا لإكمال دراستها العليا ، تعيش وتعمل في العاصمة الفرنسية باريس منذ العام 2006 ، وأصدرت كتابها الأول مع مجموعة من المثقفين العرب تحت عنوان "باريس كما يراها العرب " عن دار الفارابي في بيروت .
نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٨٠٢) صفحة (١٦) بتاريخ (٠٩-١١-٢٠١٦)