المفاهيم هي القاعدة الأساسيّة للسلوك والمبادئ والأفكار، وتشكّل تأسيساً لخطاب علمي لا عامي، وله بعدان نظريّ وتطبيقيّ، حيث يشير إلى مواضيع واقعيّة من حيث المنشأ ثمّ تتصاعد تدريجيّاً إلى المستوى النظري، ومن خصائص المفاهيم (المرونة)، بمعنى أنّه يندر معه الانضباط الدلالي، فهو يقبل بالانفتاح، ومن خصائصها (التعميم) وهو جمع خصائص مشتركة بين مواضيع المفهوم الواحد وسحبها على فئات من المواضيع المشابهة لها في القضيّة أو الصفة أو الوصف أو العلّة.
الخطاب الجماهيري يعتمد على التأثير العاطفي اللغوي الذي يسهم بدوره في تشكيل المفاهيم الشعبية لدى الناس حول قضاياهم الاجتماعية، ومع مرور الوقت وفي وجود كاريزما شخصية؛ يتم برمجة المفاهيم بما يريده الموجّه لها وفق أيديولوجية معينة ووفق أهدافه السياسية والثقافية، فيغرس معاني محددة لمفاهيم تمت برمجتها في العقل اللاواعي، مما يجعل منها عقيدة راسخة لا تقبل المناقشة ولا المراجعة وبالذات لو تم ربطها بالدين، ومن أمثلة ذلك مفهوم (الاختلاط)، فهو مصطلح له معنى عام يشير لتداخل المتناقضات والمتباينات بعضها مع بعض، وفي إطار المجتمع البشري يُقصد به وجود الذكور والإناث بعضهم مع بعض في مكان عام؛ مثل العمل أو الدراسة أو السوق.. إلخ، وهو الوجود الطبيعي للناس، ولكن؛ نجد من قام بتحريف هذا المعنى وتوجيه المتلقي لمعنى آخر مغاير وفق تصورات افتراضية ليس لها واقع وجودي، فتم برمجة العقل بأن الاختلاط هو (الدعارة) أو هو طريق لـ(الدعارة)، وذلك بإعطاء تصور ذهني مسبق عن شناعة الأمر، مما ينبني عليه إقامة أحكام فقهية وأحكام مجتمعية ومحاسبة ثقافية.
هذه هي نتيجة التسليم المطلق للآخرين والسماح لهم ببرمجة العقل وفق توجهاتهم الفكرية دون مراعاة لمنطقية المعاني المعرفية والواقعية لحقيقة المفاهيم المتداولة، وبقدر ما نلوم الشخصيات المؤثرة بضرورة مراعاة الصدق والمنطق والوضوح عند مخاطبة الجماهير؛ فإننا نلوم المتلقي الذي وهبه الله العقل والتفكير وإمكانية البحث والسؤال وعدم التسليم التام للمعاني المبرمجة سلفاً لمفاهيم ومصطلحات متداولة ومألوفة، والواقع يشير إلى أنّ الذين فشلوا في الواقع العملي ينتقمون من فشلهم بإرساء المفاهيم المغلوطة. يقول الكاتب الفرنسي أندريه جيد: معظم النزاعات تنبع عن سوء فهم تم تضخيمه.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٨٠٢) صفحة (٩) بتاريخ (٠٩-١١-٢٠١٦)