سامح وانهض من كبوتك. مد يدك للأكف المدودة لانتشالك من قعر الجب والحطام الذي وجدت نفسك فيه. تأمل قليلا على طريقة أوشو الفيلسوف، حينها سيأتيك التسامح من تلقاء نفسه. حصن نفسك بقوة حتى تقدر على أن تسامح، فالضعفاء لا يمكن لهم أن يسامحوا، تلك من صفات الأقوياء فقط.

«النفوس الكبيرة وحدها تعرف كيف تسامح»
(جواهر لال نهرو).
(1)
في زمن الذبح على الهوية واستئصال الروح من الجسد، يبزغ التسامح وكأنه المخلص من مآسي الدنيا المصبوبة على رؤوس الأبرياء الحالمين بيوم ليس فيه دم ولا قتل على هوية سحيقة الجذور لا يعرف صاحبها كيف جاءت وأين ذهبت. مفرمة تلك التي نتسمر أمامها في قنوات تقطر دما وكراهية تعمق الحقد وتقذف برأس طفل كأنما ترمي كرة من ماء في هواء عليل. تحفر عميقا في الغرائز، تنادي بثأر للاشيء سوى الدم الجارف يطارد أولئك المؤمنين بحياة دنيا وبحسن خاتمة، يحلمون بها في صحوات مجنونة، مخضبة بماء الجنة ولبن أنهارها الخالدة.
(2)
هكذا تبدو مشاهد القتل والسحل: طفل زنروا جسده النحيل وقذفوه في الحشود اليائسة إلا من رحمة السماء. يزحف الجمع صوب منقذ تحاصره الرماح المسمومة المتوثبة للجريمة ورفع الرؤوس لفضاء لم يعد لها. تتصبب دما يقطر من الرقاب المحزوزة، بينما يعالج الطفل جهاز توقيت السفك على قارعة طريق يمر بؤساء من الجنوب نحو تلك الجنة المقسمة بين أنهار التين واللبن والحور العين المتعددات المواهب والأسماء والقدرات الخارقة التي تلد نظيرات كثيرات بين رمشة عين وأخرى. يصل الجمع، يهتفون من أعماق سرائرهم أن الحياة تساوي الموت في عشق الحبيب المنتصبة مناراته في الأرجاء المشحونة بالأنفس المتعبة الباحثة عن خلاص لا يأتي.
(3)
سيأتوك بخبر من جحر عميق يقولون إنه يقين، ويعقدون حفلات زار يوزعون فيها بخوراً ووعوداً. تسكرهم الروائح المنبعثة من أجساد أتعبها الدرب، وراحت تستريح في إحدى زوايا جهنم في الأرض. لم تتمالك النفوس نفسها فتقيأت دما ممزوجا بيأس وتيه، ثم مضت ترتل ترانيم حزن على وطر مضى. تأكل من جسدها، تعصر ماءه حتى الجفاف، ثم راحت تهدي بكلمات برنادشو «احذر من رجل ضربته ولم يرد لك الضربة، فهو لن يسامحك ولن يدعك تسامح نفسك». إن كان لديك بعض من ماء تبقى على بقايا هيكل وجه منهك من غضب لا يتوقف فانثره قرباناً لعلهم يسامحونك وأنت تدمي حزنا مبعثرا في ثنايا ضلوعك المتهتكة باليأس الحارق لأجساد ينهشها ضبابية المشهد وقسوته وصحاري تيه وسراب.
(4)
لم يجدوا الجسد الهدف، فضربوا أوتاد خيامهم في قلب متوثب وراحوا يلطمون على خيباتهم. سال الدم القاني من تحت عباءاتهم المزركشة المنتظرة حفلة زار أخرى. الوقت لا ينتظر أهل الكهف حتى يفيقوا. يمضي الوقت مختالا بين الأزقة والحوانيت المغلقة فجرا. يترنحون ويتثاءبون في مشيتهم المثقلة، لكنهم لا يجدون إلا سور مقبرة يسندون إليه أجسادهم المرهونة لبكاء كامن. طلقاء أنتم الآن في فضاء الريح، فاسرحوا في عالم من تمر وعنب وكسرة خبز يابسة تقذفونها في أمعائكم الخاوية لتواصلون سيركم نحو شمس ستشرق بعد قليل فتبدأ في لسع أجسادكم أو ما تبقى منها، ولا تنسوا أن تغفروا وترددوا «التسامح زينة الفضائل»، ثم تواصلوا زحفكم لبيوت ضاعت بين النعاس لترموا بأجسادكم حتى مطلع الفجر التالي.
(5)
سامح وانهض من كبوتك. مد يدك للأكف المدودة لانتشالك من قعر الجب والحطام الذي وجدت نفسك فيه. تأمل قليلا على طريقة أوشو الفيلسوف، حينها سيأتيك التسامح من تلقاء نفسه. حصن نفسك بقوة حتى تقدر على أن تسامح، فالضعفاء لا يمكن لهم أن يسامحوا، تلك من صفات الأقوياء فقط. لا تثأر فتنفخ هواء في شبك، واثأر بشرف العفو عند المقدرة. أنهار الدم لن تنتهي اليوم ولا ألغام الموت سترفع من الطرقات. تأبط عشقا يعانق خلجات روح يمشي معها في دهاليز إلى واحة محبة تتعلم كيف تغفر فتعيش متألقة دون قناع. ترجل قليلا وتواضع و»كن معطاء دون شروط ودون استثناءات، هكذا تصبح قوة شفافة في هذا العالم الذي يعاني من البؤس». ردد بوعي مع النهر أن «التسامح جزء من العدالة» ولا تنكسر إذا رموك بحقد أو حاولوا رجمك بكلمات لا تليق، سيجرفها النهر ويرميها بين ضفتيه، لكنك لا تنسى أن تتسامى على جراحك.. فابتسم وسامح.
(6)
هناك، احتفلوا بمناسبة يوم أممي للتسامح، فيما هناك أيضاً من ينعى القتلى المتناثرين في الساحات وجبهات القتال وفي البحر؛ حيث تجد أسماك القرش لحوما طرية لأطفال لم تقتلهم قذيفة ولا رصاصة فاحتضنوا قاع البحر.
سلام على من ذهب، وسلام على من رحل، وسلام إلى أولئك المنتظرين على وجل.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٨١١) صفحة (٩) بتاريخ (١٨-١١-٢٠١٦)