في مقارنة بسيطة حملها رد مواطن فلسطيني سألته المذيعة عن أفضلية الخيارات بين انتخاب الرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب أو المرشحة هيلاري كلينتون فرد قائلا «الخل أخو الخردل»، وفي هذه الجملة البسيطة يمكن أن تعرف وجهة نظر الشعب الفلسطيني تجاه المعارك السياسية والانتخابية الدائرة في العالم، كما أن تفهم رؤية هذا الشعب لكافة النزاعات المحمومة على السلطة وفرض السيطرة التي تتلخص في حالة تشابه «الخل بالخردل» لتعرف أن الفارق بين الأشياء عنده أصبح هشا وتافها، ولا يحقق أي تغيرات نوعية، وهذا الأمر يعتبر طبيعيا إذا ما شعرنا أن الإنسان الفلسطيني ذلك المعتقل خلف جدران الصمت في السجن الكبير في غزة، أو اللاجئ الذين سكن مدن وقرى وكهوف العالم وتعب من البحث عن هوية أو عن معنى وطن قد حصل على قناعة وثقة كبيرة أن كل ما يجري لن يغير من الوضع الفلسطيني، ولن يستطيع أن يوازن الخطى المتعثرة للسلام، وأن جميع هذه الإجراءات السياسية التي تجوب العالم شمالا وجنوبا وغاب أو غيب عنها الفلسطيني أصبحت لا تمنحه رغيف خبز أو قطرة ماء أو ساعات إضافية من الكهرباء أو الغاز أو بطانية تحميه من برد الشتاء ليستطيع أن يتكيف مع ظروفه الإنسانية، وأن تزيح عن كاهله ويلات التجويع والحصار والموت البطيء في غزة وإشكاليات الاستيطان والتهويد والاعتقالات في القدس والضفة أو تدفع عنه فاتورة اللجوء بعد أن فقد كل عناوين العودة واحتفظ بالمفاتيح. لقد صار ينظر إلى كل ما يجري بطريقة لا مبالية بفكره لا تحفزه على قراءة واقع ما بين السطور الانتخابية أو الحركات السياسية التي لم تحرك ساكنا في قضيته على مدار أكثر من ستين عاماً. هذا الفلسطيني الذي يتعايش مع الاحتلال لم يعد يهمه أو يعنيه التفكير في حالة الرفض أو القبول لتداعيات ذهاب قياداته للتعزية في شمعون بيريز أو عدم ذهابها! أو في كل مؤتمرات القمة العربية والدولية ولا الفيتو الظالم.
لم يعد يريد أن يعرف الفرق بين أهمية مبادرات السلام أو وضع خارطة جديدة لطريق الحرية الفلسطيني المملوء بالمؤامرات والمواجع، لم يعد يفكر في كل هذا الضجيج؛ لأنه يعيش حالة حرب أخرى في حالة التعايش والحياة في وطن مكبل بالأصفاد والنهايات المفتوحة على الجراح؛ لأنه منشغل بترميم مواجع أبنائه الذين تركت الحروب بصماتها في قلوبهم وأجسادهم، وهو يبحث عن مخرج للأسرى والمعتقلين وحالة النزاع الداخلي المحتدمة في الصف الفلسطيني. هذه اللا مبالاة ولدت من استفحال الألم والتجويع، ومن ثبوث التوقيت الفلسطيني على ساعة التصبر والتقبل والتأقلم، ولسان حاله في كل الأحوال مثل شعبي قديم يقول «يا قرد بدي أسخطك» بمعنى أكثر من قرد ماذا يمكن أن يكون؟

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٨١١) صفحة (٩) بتاريخ (١٨-١١-٢٠١٦)