محمد العمراني

لا شك أن الولايات المتحدة الأمريكية القوة الاقتصادية الأكبر في العالم بناتج محلي قدر عام 2015 بـ 17.986 تريليون دولار أمريكي مبتعدا عن أقرب منافسيه الصين بنسبة كبيرة (الناتج المحلي الصيني 11.385 تريليون دولار) كما تعتبر أمريكا أكبر سوق في العالم وأكبر المستوردين ومن أكبر المصدرين بـ 1.5 تريليون دولار، لكن كيف استطاعت الوصول إلى هذه المكانة في قيادة العالم اقتصادياً فضلاً عن الجانب العسكري؟ بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1944م خرجت أمريكا كمنتصر بعد قهر اليابان وإلقاء القنبلتين على هيروشيما و ناكازاكي، رأى كبار الساسة الأمريكان ضروره بناء نظام مالي جديد للعالم فدعوا الدول إلى مؤتمر بريتون ولكون أمريكا كانت تمتلك 75%‏ من احتياطي الذهب العالمي فقد سنت القوانين اللازمة لميلادها كقوة مسيطرة فرضت عملتها الدولار للتعامل على كل السلع العالمية كالذهب والبترول وأنشأت صندوق النقد الدولي وأصبحت احتياطيات أغلب دول العالم بالدولار الأمريكي استناداً لامتلاكها المعدن الذهبي، لكن أمريكا لم تكتف بذلك فقد فرضت هيمنتها العسكرية وقوتها على العالم لحماية دولارها واقتصادها وإجبار العالم للتقيد بالتعليمات أيضاً لم تكتف بذلك فقد صنعت بنية تحتية مصرفية معقدة لا مثيل لها في العالم وتحديداً في وول ستريت بمنهاتن يعمل على مدار الساعة وأشهر هذه الأنظمة النظام سويفت (نظام تحويل الأموال)، حيث يربط أكثر من 7000 مؤسسة مالية ومصرفية ببعضها بعضا موزعة على 189 دولة ويدير هذا النظام تقريباً 75% من التحويلات العالمية، أيضاً يوجد في وول ستريت أكبر بورصة تداول في العالم بورصة نيويورك بحجم يقدر تقريباً بـ40 تريليون دولار و3000 شركة مدرجة، هذا بالإضافة إلى مؤشر داو جونز الصناعي المدرج به أكبر 30 شركة أمريكية ومؤشر ناسداك العملاق أيضاً ناهيك عن سوق العملات الذي يتم تداول 3 تريليون دولار يومياً، بالإضافة لبورصات الذهب والبترول، لذا أصبح وول ستريت قلب العالم النابض الذي يدير أموال العالم، من هذه المعطيات استطاعت أمريكا بناء الاقتصاد العالمي والسوق الحر الرأسمالي وإشراك العالم فيه وإدارته وإدارة أزماته مستخدمة بذلك قوتها العسكرية تارة و دهاء ساستها تارة أخرى، لذا ترى أمريكا أن قيامها بجميع الحروب مستند في الحفاظ على هذا النطام المعقد وأن تبقى سيطرتها على جميع الموارد الطبيعية والصناعية للمحافظة على مكانتها، فكم من حرب أقامتها لأجل النفط والغاز على مدار تاريخها كله، ولذا أيضاً تجدهم الآن يخططون مجدداً لتقسيم منطقة الهلال الخصيب لكن هذه المرة يرون في منطقة مابين النهرين دجلة والفرات الأرض التاريخية لـ»نبوخذنصر» المحور الأساس للسيطرة واقتطاع هذه المنطقة من العراق وسوريا، فهذه المنطقة مليئة بالبترول والغاز والثروات الزراعية، كما أن موقعها الجغرافي يجعل أمريكا مسيطرة على السكة الحديدية الصينية المتجهة إلى البحر المتوسط، حيث لا مفر من المرور في هذه البقعة وخطوط الغاز وكل اتصال بين آسيا والمتوسط فهل تنجح!؟ ستبين الأيام المقبلة لنا خصوصاً مع تغير الإدارة الأمريكية في الانتخابات المقبلة رغم أن أمريكا تسير بخطط مرسومة سابقاً لكن الله وحده أعلم بالمستقبل. بقي أن نقول أن أمريكا هي صانعة الاقتصاد العالمي، استخدموا فيه المعرفة والتطور والذكاء والعنصر البشري العامل، بينما انشغل أغلب العالم في أمور لاتتجاوز جناح بعوضة! فالاقتصاد والسياسة وجهان لعملة واحدة، حيث تطبخ في البيت الأبيض سياسات العالم وتصنع في منهاتن اقتصاديات العالم!

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٨١١) صفحة (٨) بتاريخ (١٨-١١-٢٠١٦)