عايض القحطاني

عايض القحطاني

ما نحن فيه اليوم من نعيم أو بؤس، علم أو جهل، غنى أو فقر، حرب أو سلم، هو في الغالب نتيجة قرارنا بالأمس البعيد بعد إرادة الله، نقطف ثمرته اليوم ونعيش نتائجه، فالطبيب والقاضي والمهندس والعسكري والمعلم والتاجر…، لم يصبحوا فجأة هكذا ولكن هو قرار الأمس البعيد.
حدثني صديق: أن شخصين متلازمين منذ الطفولة حتى هذه اللحظة، الأول: قرر أن يواصل مشواره التعليمي بعد الثانوية ويصبح دكتوراً فكان كذلك، بينما الآخر: قرر التوقف عن التعليم في مرحلة مبكرة جداً واكتفى بالوظيفة العاجلة، فكان كذلك لكن لم تف بمطالب حياته.
اشتكى لي رجل تزوج بثانية فزاد أولاده ومصاريف حياته حتى أغرقته الديون، فسألته ما حملك على الزواج بالثانية؟ فقال: (قرار طائش). وذات يوم فاجأني فني سباك يسألني: تعرف الطبيب فلان؟ هو شقيقي! كيف؟ كل منا قرر مصير حياته فأنا اختصرت حياتي واستسلمت للضروف فنزلت للسوق بينما أخي كافح فأصبح طبيباً.
عجلة الزمن لا تتوقف، فقرار الأمس البعيد رسم حاضرنا اليوم، وقرار اليوم هو ما سيرسم ويصنع حياتنا في المستقبل، لن نطيل النظر والتنقيب في قرارات الماضي، فالماضي انتهى لكن لنتأمل الدروس والعبر بذاكرة انتقائية دون الالتفات للألم والندم، فكم ضيع الألم حاضرنا ومستقبلنا.
ليس بالضرورة أن قرارنا في الماضي خطأ، لكن ربما كان هو الأنسب في حينه، أو الظروف كانت صعبة، حداثة السن وقلة المعرفة، الصحبة السلبية، استعجال قطف الثمرة، قلة صبر أو ردة فعل، ثورة غضب واستجابة لعاطفة.
في ميدان الكليات الحربية يتفاجأ الطالب بقسوة التدريب، وفي حرم الجامعة ينصدم الطالب بمجلدات الكتب والغربة والحنين لأهله، مروراً باختيار التخصص، وانتهاءً بالوظيفة، واختيار شريكة الحياة والسكن وغيرها، لحظات حاسمة وفاصلة، على مفترق طرق وتحتاج إلى التروي والتفكير والاستشارة والاستخارة لاتخاذ قرار المستقبل.
لم تنته الدنيا ولم ينته كل شيء، فما زال في الحياة متسع لأن نتدارك كثيراً ونبدأ من حيث انتهينا، فالمستقبل واعد ومشرق فمن ذلك:
التعليم قرار: بعض آبائنا وأمهاتنا فاتهم قطار التعليم في صباهم فتداركوا أنفسهم والتحقوا بالمدارس الليلية، بل حتى شبابنا الطموح التحقوا بالجامعات وهم على رأس العمل، كل ذلك رغبة في العلم ومستقبل أفضل. وأبعد من ذلك أحد الزملاء تخرج مهندساً وعمل في شركة عريقة، لكن لم ترض ميوله وطموحه فقرر دراسة العلوم الشرعية حتى نال الدكتوراة وأصبح محامياً ومستشاراً مالياً للبنوك والشركات.
التجارة قرار: أحد التجار كان موظفاً براتب شهري بسيط، لكن طموحه قاده للاستقالة والتجارة تحمُّل وكافح حتى أصبح لديه شركات على مستوى المملكة ويقول عن نفسه (اليوم أعيش حراً).
الوظيفة قرار: قبل يومين اتصلت بصديق وأثناء الحديث قال: استقلت من شركة حكومية بعد صراع نفسي وانتقلت إلى القطاع الخاص فتغيرت حياتي للأفضل 180 درجة على المستوى المالي والنفسي والعائلي واكتشفت أن لدي كثيراً من المهارات.
أخيراً: ابدأ والنهاية في ذهنك فالقرار الصائب هو أول النجاح وتكلفة قرار اليوم أقل بكثير منه في المستقبل، ولنتذكر قوله تعالى (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا) ولكل مجتهد نصيب وفي كل خير.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٨١٢) صفحة (٨) بتاريخ (١٩-١١-٢٠١٦)