سمر آل موسى

أيها المهموم، هوّن عليك ما تلقى من همٍ ومن ألمٍ ومن سأمِ، واعلم أن الحال لا يدوم، ففرحٌ وترحٌ، وضحكة وعبرة، وانبساط وانقباض، ويسرٌ وعسر، يقول الشاعر ابن المعتز:
ألا ترى الدهر لا تفنى عجائبه
والدهرُ يخلطُ ميسوراً بمعسورِ
ولتؤمن تماماً أن «هذا الوقت سيمضي» كما يقول الأثر، وحرف السين يفيد المستقبل، فحتماً عاجلاً أم آجلاً سينقضي هذا الوقت بحلوه ومرّه وكأنه لم يكن، ولا يبقى لك من هذا الحزن العميق والهم البائس بداخلك إلا ذكرى عابرة وقلب أكثر صلابة.
وإذا تفكرت وتأملت فيما مر بك من همومٍ وأحزانٍ مهما كانت عاصفة ومدمرة في حينها، ومكدرة لصفو حياتك، ومعطلة لتقدمك، ستجد أنك قد خرجت منها بشيءٍ ما على صعيد شخصيتك وفهمك الناضج للحياة، وزادت مناعة قلبك وصلابته درجةً أمام صعوبات الحياة، بل وأكسبتك خبرةً وحسن تعامل مع القادم.
واستشعر في قوله تعالى: ﴿لكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾، تلطيفاً لما تلاقيه من أحزانٍ وآلام، ولعلك تتخذها قاعدةً في حياتك، فصدقني إن تمكنت من ذلك – ألا تحزن على فائتٍ لم تنل منه مرادك، وألا تفرح فرحاً شديداً بما أنت عليه الآن – فأعتقد أنني بإمكاني أن أعدك براحة بالك، وستكون أكثر كرماً مع نفسك إن أضفت هذا الحديث الشريف إلى قواعدك في الحياة ألا وهو: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل»، واعلم يقيناً أنك لن تفارق هذه الدنيا حتى تستوفي كل ما لك وتؤدي كل ما عليك من حلوٍ ومر، يقول الشاعر:
«لو كان في صخرةٍ في البحر
راسية صماء ملمومةٌ مُلس حواليها
رزقٌ لعبدٍ براه الله لانفلقت
حتى تؤدي إليه كلَّ ما فيها»
ومن عظم شأن الهم وتأثيره على الإنسان، كان الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، يستعيذ بالله منه كل يوم فيقول: «اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن».
فلكل إنسانٍ منا همومه في هذه الحياة، يحملها في قلبه وقد لا يعلمها حتى ألصق الناس به، ولكن القوة بالله ثم الثبات والهمة والعزيمة والإرادة والإيمان والتفاؤل والطمع فيما عند الرحمن من خيرٍ وفيرٍ، والصمود أمام العقبات، والشعور بقيمة الذات، والتطلع للنجاح، واليقين باستمرار الحياة والنظر لحلوها قبل مرها، هو السبيل للحياة.
وتكمن قوتك الحقيقية وامتلاكك زمام نفسك، في تغلبك على عدوك الخفي هذا، لأنك لا تراه ولا تشعر بالتهامه لك داخلياً لعقلك ووجدانك وخارجياً لآدائك المتثاقل، وعدم إنجازك مسؤولياتك على أتم وجه، وضعف علاقاتك الاجتماعية التي تأثرت، لأنك لا تدرك مدى خطورته وانحداره بك إلى مستوى لا يرضيك، وأعتقد أنك ان رأيته عياناً يسحبك من يديك لهذا المنحدر، سوف تُذعر من سطوته وقباحته وتهرب منه كل الهرب.
قوتك ليست في الانتصار على ما تبصره بعينيك وتدرك مساوئه بعقلك وتنفر منه فطرياً بقلبك، بل إنك في الحقيقة إن لم تنتصر على الشيء الظاهر يكن ذلك تراخياً منك واستسلاماً مذموماً، وإنما انتصارك الحقيقي على ما يتسلل بداخلك ينخر في حياتك دون أن تشعر به.
لعلك تفكر الآن أن الكلام الملطّف لطالما استمعت إليه وقرأته، أثّر فيك أثراً كأثر الماء الصافي المنسكب على ملابسك لا يلبث أن يتبخر، ولكنني سأرسم لك صورةً في عقلك لعلها ترسخ دائماً، فلتتخيل الآن هذا الهمّ، رجل مهرول خلفك بسرعة البرق، حتى أمسكك من خاصرتك وأحكم قبضته بكلتي يديه، فوجدته رجلاً دميم الخِلقة، عظيم القامة، قبيح الوجه، أشعث الشعر، تعلو وجهه غمامةً معتمة، عيناه مدميتان من البغض لك، متفلجان في أسنانه السوداء التي تقرض عنقك رويداً رويداً، وهو يسحبك من خاصرتك إلى الوراء بسرعة شديدة، في حين أنك تستمع جيداً لقهقهاته العالية المشبعة بروح الانتقام منك، وتحدق بشدة بعينيك المرتجفتين إلى طريق نجاحك الذي أمامك وتراه يبتعد ويبتعد ويتضاءل ويختفي شيئاً فشيئاً، ويداك مرتخيتان إلى جانبك وقدمك قد أنشأتا خطين واضحين في تلك الصحراء المقفرة التي يسحبك إليها، فيمَ تفكر وماذا تنتظر بعد ؟ هيا استدر نحوه لتبصره بوضوحٍ أكثر، وانفض كيانك من هذا العدو، وانتصر عليه انتصار القادر المستطيع، وليس العاجز المرتخي، فلم يعد عدوك خفياً بعد، فها قد رأيته بخيالك في صورته الحقيقية.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٨١٦) صفحة (٨) بتاريخ (٢٣-١١-٢٠١٦)