تركي رشود الشثري

تركي رشود الشثري

تركي رشود الشثري

للإنسان حاجات ورغبات وحوله من هو مطالب بتحقيق هذه الحاجات وتلبية هذه الرغبات وعليه فلابد من الجميع أن يلتفتوا إلى أنفسهم ويحددوا ما يريدون ويلتفتوا إلى غيرهم ممن هم مسؤولون عنهم ليعطوهم الحقوق المعنوية والمادية كاملة غير منقوصة ومن لم يمتلئ ويمتلك قراره واستقراره النفسي فكيف يعطي غيره وكما هو مقرر ففاقد الشيء لا يعطيه.
اعرف نفسك، واسرد طلباتك بوضوح وصدق ومعقولية، ولا تجالس كراسي الانتظار المملة، ومراسي السفن التي لا تأتي ولا ترسو أبدا.
والخبر السار أن سلوك النفس الإنسانية له تفسيرات محدودة، ويتواطأ عليها كثير من الأفراد، وليس كما يريد بعض المتحدثين عن النفس أو الاجتماع؛ أن هناك آلاف التفسيرات ليستبدوا بالحقيقة الواحدة لكل سلوك مع كل فرد، وعليه فالدوامة ندخلها عندما ننتظر ممن حولنا تخمين ما يدور برؤوسنا من مطالب، ونفوسنا من حاجات، ولا نستشعر انهماك الجميع بذواكرهم وعواطفهم وحاجاتهم ومتطلباتهم؛ التي لم تلبّ منا ومن غيرنا، ولماذا نظن فيهم قوة الحدس، وحضور الرغبة، والحماس الأكيد في التعاطي معنا، وتنفيذ ما نرجو وهنا مثال صغير:
من حاجات الرجل النفسية الاستقبال الدافئ عند عودته من العمل، وللقارئ أن يقاطعني قائلاً: وهل تحتاج هذه المسألة للتنبيه عليها؟!
وأقول بالطبع تحتاج للتنبيه والتوضيح، وسرد ما ننتظره من شريك الحياة.
فليست كل الزوجات باليقظة المطلوبة، وإن كانت كذلك فتفاصيلها الاستقبالية؛ تحتاج تعديلا وتحويرا وتغييرا بما يتناسب مع ما ينتظره الزوج، وللقارئ أن يعترض بأن هذا يفقد الأشياء عفويتها ورونقها ومفاجأتها؛ فنقول: بالطبع ولكن أن تحقق 60% من الحاجة النفسية خير من لا شيء، وهذا مجرد مثال. ومن كان في هذه الحال في أحسن حال، ولا يحتاج إلى التنبيه فهو في أمور أخرى يحتاج لذلك، وعليها قس. ومن الفوائد التي يجنيها كل من الطرفين الامتلاء والثقة والشعور بالإرواء المتبادل، والتعاذر عند وجود تقصير أو خلل أو نقص بصدر رحب منشرح، وهي اللحظة التي يخرج فيها كل منهما من خندقه الحربي البائس الذي يتربص فيه بالآخر، ويعد عليه الزلات، وينفث سموم التبرم والاستياء اليائس.
وتأكد أن أي احتياج لا يلبى فإنه سيظل يزن في لا وعيك، ويأتي متخفياً في صورة سفر وترفيه، أو كأس آثمة، أو حقنة مخدر، أو إفراط في تدخين، أو تسوق أو غير ذلك؛ بمعنى أنه إن لم يتم الكشف عن الاحتياج وتصريفه في قناة نظيفة، فإنه سيتحول إلى سر مضن يأسرك لسنوات تقل أو تكثر ونؤكد على القارئ بأن يأسره المثال السابق فهو لا يعدو أن يكون مثالاً وبالفعل فكثير من الناس له رغبات وحاجات مادية ومعنوية مكبوتة لم يشرحها ولم يتحدث بها ولم يعرضها لعوامل يطول تعدادها.
وتأكد أيضاً أن تجاهل الواقع لا يجعله يختفي، وإن توارى بعض الشيء.
وبالمناسبة فإنه من الضروري جداً لكلا الزوجين احترام كل منهما تمايز الآخر ومغايرته، بل وابتعاده مسافة عنك فترة بعد أخرى؛ ليعيش كينونته، وكذلك الشاعر رينيه ماريا ريلكه ينصح من يرغب في السعادة، أن يحمي عزلة من يحب، وهذا خلاف ما يرنو إليه بعضهم لأسباب عدة من الاندماج الكلي والتداخل النهائي بين الروحين والجسدين، والزمنين والمكانين مع شريك حياته، وهذا معناه القضاء على خصوصية كل منهما سواءً الخصوصية النفسية أم غيرها، ويعني الملل والرتابة والاعتياد الذي يسلب الحياة إثارتها وتجددها.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٨١٦) صفحة (٨) بتاريخ (٢٣-١١-٢٠١٦)