كانت فرصة ثمينة لكي يتشارك سكان الأرض بهجة القمر العملاق، ذلك الذي قرر أن يخرج في أبهى حلته ليعلن اكتمال «بدر البدور» في سماء العالم أجمع، بعد أن حشد حوله عيون البشر فقاموا بمراقبته بعيدا عن أي تمييز كان لهم جميعا ذات الحق في الاستمتاع بهذه اللحظة والركض إلى أعلى منازلهم وشرفاتهم وشوارعهم لمراقبة حالة الاكتمال والنضج الضوئي ووفقا للحسابات الفلكية، فإن هذا القمر الذي ظهر يوم 14 نوفمبر 2016م وقع في حالة مشابهة من حيث المسافة قبل حوالي سبعين عاما وتحديدا يوم 25 يناير 1948، وأنه سيتكرر بشكل مشابه سيكون يوم 25 نوفمبر/تشرين الثاني 2034 م، وسواء أكان موقعنا الجغرافي شمال أو جنوب خط الاستواء في أكثر المناطق قربا أو بعدا من هذا الوهج، إلا إننا أخيرا تقاسمنا رغيف القمر مع غيرنا من الأمم، وعدنا لليلة كاملة إلى حالتنا الإنسانية في الاشتراك وتقصي حزمة الضوء، عدنا إلى رومانسيتنا ونحن نتسابق ونتنافس في تسجيل لحظة اقترابنا منه للحظات أو لساعات تمكنا من الركض بعيدا عن متاهات الحياة وانشغالاتها، توقفنا لنرقب عودة الغائب الذي عاد دون مواعيد في ليلة من أعراس الضوء، جاء أخيرا بعد أن كانت إطلالته السابقة ليكون شاهدا على أقسى حقبة تاريخية سجلها تاريخنا العربي، وهي هزيمة العرب في حرب 48 ضد الصهاينة، وذلك عندما أعلنت بريطانيا إنهاء انتدابها على فلسطين، وغادرت القوات البريطانية، وأصدرت الأمم المتحدة قرارا بتقسيم فلسطين لدولتين يهودية وعربية، الأمر الذي عارضته الدول العربية، وقامت بشن هجوم عسكري لطرد الميليشيات اليهودية، ومنيت بهزيمة نكراء.
ربما لم يكن لدينا الوقت الكافي حينها لأن ندرك اكتمال البدر ولا أن نكتب قصائدنا العصماء عن وجه الشبه بين المرأة والقمر، ولا عن مقارنته بالشمس وغيره من الكواكب، ولا في التفسير العلمي لظهوره واكتماله وخسوفه، ربما في تلك الحقبة من ظهوره لم يحالفنا الحظ في أن نعرف أن هذا الاكتمال يعتبر من أجمل وأبدع الظواهر الكونية، وأنه كان يستحق منا التفاتة تكريم لهذا الحضور العظيم، وها هو يعود ليعتلي أسطح منازلنا وينجس ككومة من الفل المضيء اجتمعت في سمائنا لنقف لليلة واحدة نرقب ونترقب ونجلس خلسة في مكان بعيد نحتاج فيه إلى الصمت والهدوء بعيدا عن الضجيج، وقد ننصت قليلا لفيروز وهي تغني «يا قمر البعيد خلفك حبايبنا» أو أغنية خايفة لأنام وينزل القمر».
قالت أمي التي كانت أحد شهود العيان إنها لم تعرف عن وصول القمر إلى قبة السماء في عام 48 لأن الحرب التي لوعت قلوب الناس حتى نسوا هذه المناسبات الكونية، وجعلتهم يبحثون عن مأوى لمنابع الخوف، قالت إنه على الرغم من التحاف اللاجئين السماء إلا أنهم، ومن هول الحرب لم يتذكروا شكل النجوم ولا لون القمر، كانوا يختبئون منه خوفا من جحيم الحروب.
وفي هذه المرة جاء ليشهد من جديد على معاناة جديدة تحمل ذات السيناريو الشرس في مناطق مختلفة من الخارطة العربية، ولا أدري هل كان لدى سكان حلب والموصل واليمن من الوقت ليتساءلوا عن جمال البدر، وعن بعض النظريات الزائفة عن تأثيره على سلوك البشر، أو عن إعلانه عن مزيد من الكوارث الطبيعية والإنسانية؟ هل كان لديهم الوقت كي يعيشوا مثلنا لحظات التتبع والغرق أثناء وقوفهم على سجادة الضوء؟ وهل بقيت للقمر بهجته وهو يرقب خروج أطفال حلب من تحت الردم والركام؟ أم أنه ظل صامتا كما صمت في عام 48؟. هذا القمر الذي أخذ نصف ذاكرتنا العربية ونحن نتغزل في محياة وفي جمال هالته ووهجه، ولم تتغير قناعاتنا العاطفية تجاهه حتى بعد أن عرفنا أنه كوكب مظلم لا يمتلك مصدرا للإشعاع، وأنه لا يملك سوى القدرة على عكس الضوء، وعلى الرغم من ذلك أحببناه ومضينا نسرح في مسارب ضوئه؛ لأنه كان دائما يعكس حكاياتنا الإنسانية بكل صدق.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٨١٧) صفحة (١٧) بتاريخ (٢٤-١١-٢٠١٦)