علي آل صويلح

علي آل صويلح

انتهى السباق الرئاسي إلى البيت الأبيض، وأُسدل الستار عليه بعد موسم انتخابي طويل وممل لدى كثير ممن تابع تلك الانتخابات، نجح من خلالها ترامب في الجولات الأخيرة والعبرة بالخواتيم، وأخفقت كلينتون ومن وقف خلفها من المطبلين من الرأي العام الذين كانت نظرتهم لسير هذه الانتخابات مثقوبة أكثر من كونها ثاقبة.
فبعد أن كانت الترشيحات تصب في مصلحة تلك السيدة الحسناء وإن بانت عليها تجاعيد الزمن، كونها أكثر خبرة في مجال السياسة من منافسها ترامب، الذي لا يملك من الخبرة ما يجعله يقود العالم بأكمله كقوة عظمى، حتى أن بعضا من قادة الحزب الذي ينتمي إليه امتنع عن تزكيته أو بالأصح قام بتزكيته على مضض من الأمر، لذلك ذهب الرأي العام إلى ترجيح كفة كلينتون على منافسها وتناسوا أن المنافس على الرغم من الغباء الذي يتميز به هذا المخلوق من منظوري الخاص من خلال تصريحاته التي تحمل كثيرا من السذاجة، وإن أخطأت في الوصف فليسامحني الله على ذلك، أما الأفعال وهي الأهم فلن نستطيع أن نحكم عليه إلا بعد تنصيبه رسمياً لمقاليد الرئاسة، ومع ذلك فإن حملته الانتخابية كانت أكثر تنوعاً وحداثة من منافسته، فانقلبت الطاولة في نهاية المطاف لصالحه، وهذا أيضاً ليس بذكاء منه أو لقوة برنامجه الانتخابي، لكن من قلب تلك الطاولة هم من يقفون خلف الأضواء لتسيير السياسة الأمريكية كيفما أرادوا.
وبما أن الشيء بالشيء يذكر سأستشهد بقصة آينشتاين صاحب نظرية النسبية وسائقه الخاص، فذات يوم اقترح السائق أن يقوم بإلقاء إحدى المحاضرات نيابة عن آينشتاين بعد أن أصابه الإرهاق لكثرة المحاضرات التي يلقيها في الجامعات والجمعيات العلمية، حيث إن المظهر الخارجي لهذا السائق يشبه إلى حد كبير آينشتاين وشعره المنتف والمنكوش، إضافة إلى أن هذا السائق أصبح لديه بعض المعلومات عن نظريتة النسبية لسماعه عشرات المحاضرات، لذلك وافق آينشتاين على المقترح وتم تبادل الملابس ووقف السائق في المنصة والعالم آينشتاين مستمعاً في آخر صف بالقاعة وكانت المحاضرة تسير في الطريق الصحيح حتى قام بروفيسور وسأل المحاضر سؤالاً تعجيزياً، لكن أخانا السائق كان أكثر ذكاء وردّ ببرود وقال بأن هذا السؤال يحمل كثيرا من السذاجة وسيترك لسائقه الذي يجلس في الصف الأخير الإجابة عليه، وهذا ما حصل أجاب آينشتاين على السؤال من الصف الأخير وانتهت المحاضرة على ما يرام دون أن ينكشف الأمر.
هذه القصة أشبه بالسياسة الأمريكية إلى حد ما، رغم أن النظام الأمريكي نظام متوازن ودقيق، ولديهم دستور ربما يكون أفضل وثيقة سياسية صنعتها يد البشر حتى تاريخ كتابة هذا المقال، إلا أنها تبقى دولة (لا) يسيرها شخص واحد، فرئيسها يقف فعلاً على المنصة أمام العالم قد يعطي أوامره، لكنه في كثير من الأحيان يكون أشبه بسائق آينشتاين، قد يعيد كثيرا من الأمور إلى من هم يقفون خلف تلك السياسة، وقد يأتي كثير من الإجابات من الصفوف الأخرى.

لذلك وجب علينا أن تكون متابعتنا لمثل تلك الحملات الانتخابية من باب العلم بالشيء فقط وليس من باب القلق في انتصار مرشح على الآخر، ولنعلم بأن الكون مسيّر بيد خالقه ولن يحيد يوماً من الأيام قيد أنمله عما أراده الخالق، ثم إن علينا الأخذ بالأسباب وألا نجلس تحت رحمة أمانينا ودعواتنا دائماً بفوز من هو أقل سوءاً في الانتخابات، فكلاهما لا يحمل طُهراً لأوطاننا، فنجاح الجمهوري لا يعني أنه إنسان قادم من المريخ يحمل إلينا إكليلاً من الزهور، وخسارة الديموقراطي ليس معناه أننا سنخسر شخصاً كان سيأتي إلينا بما لم يأت به الأوائل، لكن يبقى الأمل في أن يكون الرئيس القادم أفضل حالاً ممن سبقه في تحسين علاقاته السياسية بالمنطقة، وعلى أمتنا أن تعي جيداً بأن هذه الدول العظمى لا صديق لها دائم سوى مصالحها، لذلك وجب علينا الاعتماد الكلي على سواعد أبنائنا والحرص كل الحرص من أصدقاء المصالح.
وقولوا لرعيان الغنم لا ينامون ..
أشوف بالمرعى مواطى ذيابه ..

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٨١٩) صفحة (٨) بتاريخ (٢٦-١١-٢٠١٦)