عنوان هذا المقال هو عنوان كتاب تم تدشينه من قِبل مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني نهاية الأسبوع الماضي أثناء انعقاد اللقاء الوطني «التعايش المجتمعي وأثره في تعزيز اللحمة الوطنية» للشيخ صالح بن عبدالرحمن الحصين -رحمه الله-.
ومن لا يعرف سيرة الشيخ صالح فهو من مواليد محافظة شقراء عام 1932م، بدأ حياته العلمية كما كانت الدراسة آنذاك عبر الكتاتيب فدرس على يد الشيخ «عبدالعزيز بن حنطي»، وبعدها التحق بالدراسة «بدار التوحيد» في محافظة الطائف عام 1941م، حيث يُعدُ دار التوحيد وجهة أغلب طلاب العلم آنذاك في المملكة، وقد درس المتوسطة والثانوية هناك، ثم انتقل إلى مكة المكرمة ليلتحق بكلية الشريعة هناك، زاول مهنة التدريس وهو طالب في كلية الشريعة بطلب من الشيخ «محمد بن إبراهيم» في المعهد العلمي بالرياض، فرتب وقته بين حضور الاختبارات في الكلية بمكة المكرمة وبين عمله التعليمي، وقد تخرج -رحمه الله- متفوقاً على زملائه في الكلية بحصوله على المرتبة الأولى عليهم، وهذا إن دل إنما يدلُ على نبوغه العلمي، وكان الشيخ صالح -رحمه الله- طموحاً في زيادة التحصيل العلمي، ففي عام 1950م غادر إلى القاهرة لإكمال دراسته في القانون بمعهد الدراسات العربية العليا في جامعة القاهرة حتى سنة 1954م، فحصل على شهادة الماجستير هناك، وكان من أبرز أساتذته الدكتور»عبدالرزاق السنهوري» رحمه الله، وطور نفسه بتعلم اللغة الإنجليزية والفرنسية في معهد « برلتس»، مع العلم بأنه سافر إلى فرنسا بغرض زيادة تعلم اللغة الفرنسية، فقد ساعده تعلمه اللغات الأجنبية على أنه قرأ من كتب المفكرين الغربيين خاصة الكتب التي لم تترجم إلى اللغة العربية.
عندما أنهى الشيخ صالح الحصين دراسته في القاهرة تولى وظيفة المدير العام للإدارة القانونية في وزارة المالية تحت إشراف وزيرها آنذاك الأمير مساعد بن عبدالرحمن -رحمه الله- ومن إعجاب الأمير بشخصيته وفطنته أوصى للملك فيصل بن عبدالعزيز -رحمه الله- بتعيينه وزيراً وعضواً في مجلس الوزراء، وبعدها بعدة أعوام طلب الشيخ صالح من الملك فيصل إعفاءه من منصبه وألحَّ في ذلك حتى تمت الموافقة على طلبه، ظل بعدها أربعين عاماً بعيداً عن العمل الإداري حتى عام 2002م، حيث كلفه الملك عبدالله -رحمه الله- عندما كان ولياً للعهد برئاسة شؤون الحرمين الشريفين بعد أن حاول الاعتذار مراراً والتنصل من هذا المنصب إلا أن الملك عبدالله كان مصراً على توليه المنصب، فوافق على أن تكون دورته سنتين فقط بدلاً من أربع سنوات، إلا أنه استمر في المنصب قرابة اثني عشر عاماً، ومن المواقف الجميلة عند توليه رئاسة شؤون الحرمين أنه طلب من الملك عبدالله أن يسهم في سقف مقر ماء زمزم في الحرم المكي من رواتبه ومستحقاته التي لم يتقاضاها، فاعتذر له الملك عبدالله قائلاً: «لو طلبت شيئاً آخر لما ترددت لحظة واحدة، أما هذا فلن نسمح لأحد يدخل معنا فيه»، وعند تأسيس مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني عيَّنه الملك عبدالله -رحمه الله- رئيساً للمركز عام 2004م، واستمر في هذا المنصب إلى أن توفي -رحمه الله- في شهر مايو 2013م، ومن عمل مع الشيخ أو كان له تواصل معه يُدرك تمام الإدراك أن اختيار الملك عبدالله له لرئاسة المركز كان مناسباً جداً لما يملكه من مقومات كثيرة، أهمها أنه مقبول لدى جميع الأطياف الفكرية والمذهبية، وهذا شاهدناه عند ترؤسه جلسات الحوار الوطني والقبول الكبير لدى المشاركين والمشاركات لشخصيته -رحمه الله- بسبب أنه لا ينتمي لتيار فكري معين، كذلك عدم الاعتراض من أي شخصية شاركت في الحوارات على فكر الشيخ صالح، أو أسلوبه في إدارة الحوارات، وكان الشيخ -رحمه الله- يسعد بمن يناقشه ويجلس معه في جنبات الحوار في أي موضوع كان، وكان عميقاً في تركيزه للمتحدث الذي أمامه ليفهم ما يجب أن يفهمه منه ليرد عليه الرد المناسب.
عموماً الكتاب في مجمله رصد لكلمات الشيخ صالح في اللقاءات الوطنية التي عقدت في أغلب مناطق المملكة، وقراءة تحليلية لخطابات الشيخ صالح الفكرية، وقبلها يتحدث الكتاب عن هوية الزهد في حياة الشيخ صالح، وفاتحة الكتاب سيرة عطرة عن حياة الشيخ صالح الحصين -رحمه الله- وقد وفق المركز في إعداد وطباعة هذا الكتاب لهذه الشخصية المميزة الذي يمثل الوسطية والاعتدال والنموذج الإنساني للمفكر النوعي الفريد.
ختاماً، أتمنى من المركز أن يقوم بتوزيع هذا الكتاب على جميع الجهات العلمية من المكتبات ودور المعرفة حتى يتسنى للأغلبية الاطلاع عليه وقراءة محتواه والاستفادة منه.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٨٢٨) صفحة (٩) بتاريخ (٠٥-١٢-٢٠١٦)