حمد الصالح

حمد الصالح

حمد الصالح

‎كان جوازي الأخضر الصغير بالحجم الكبير بالقيمة قد شارف على الانتهاء، دفعت الرسوم الخاصة بإعادة إصداره وأصدرت جوازاً جديداً من خلال موقع وزارة الداخلية «أبشر» وذهبت لمديرية الجوازات فقط لتسلّمه وإتلاف القديم. كانت التجربة رائعة لولا أن موظف الخدمة حينها كان يُدخّن وهو يخدم المواطنين وهذا ما أزعجني. عرفت وقتها أن نظام الجوازات لدينا تطوّر كثيراً عن السابق ولكن «لِك عليه» !
تجربة أخرى كانت في إدارة المرور حيث ذهبت لطباعة وتسلّم رخصتي الجديدة بعد أن أصدرتها لنفسي إلكترونياً. دخلت الصالة المخصصة للطباعة وأخذت رقم الانتظار وجلست أنتظره بترقّب. دخلت مجموعة من الشباب تربطهم علاقة خاصة بالشخص خلف النافذة المسؤول عن الطباعة؛ ربما كانوا أصدقاء، ربما أقرباء وربما تربطهم مصالح اجتماعية مشتركة. مهما كانت العلاقة التي تربطهم ببعض، لا يعطي الحق أبداً لموظف الطباعة بأن يخدمهم، أو أي أحد، قبل أن يأخذ رقماً ويأتي دوره. ولكن ماحصل كان عكس ذلك، حيث خدمهم فذهبوا ومن ثم أكمل رحلة الأرقام. إحقاقاً للحق، لم تكن الأرقام كثيرة وفترة انتظاري لم تزد على نصف ساعة. ولكن أزعجني ما حدث كونه تعدّياً على حقوق المنتظرين. أدركت حينها أن النظام الإلكتروني لإصدار الرخص وغيرها ممتاز جداً، ولكن الخدمة المقدمة كَكُل «لِك عليها» !
أثناء دراستي في الخارج وتحديداً في الولايات المتحدة، تعرفت عن قرب على تعامل الأستاذ الجامعي مع الطلاب. تعلمت أن أسلوب التعامل واللباقة هناك هي أساس العلاقة بين الأستاذ الجامعي والطالب. كنت أجلس مساءً مع أستاذي الجامعي في أحد مقاهي المدينة لنحتسي القهوة ونتناقش عن موضوع شائك كان قد بدأه في المحاضرة صباحاً. كنا نخرج سوياً كثيراً ونلتقي بأصدقائه ويعرفهم بي، والعكس كذلك. كنا نتحدث كثيراً عن اختلاف الثقافات الشيّق بين وطني وشعبه و وطنهم وشعوبهم ! بعد هذه التجربة وأكثر، استذكرت مرحلة دراستي الجامعية في وطني؛ تذكّرت علاقتي بشخص «كان صديقي» وما أن أصبح معيداً حتى أصبح لا يُجالسنا ! كذلك تذكّرت أستاذ الموارد البشرية والسلوك التنظيمي حيث كان يحمل من الكِبر ما يمنعه من إلقاء السلام والتحية على مجموعة من طلابه التقاهم صدفة بأحد المطارات الداخلية ! الحق يُقال، أرى شخصياً بأن مستوى التعليم الجامعي في السعودية قوي جداً للدرجة التي يضاهي بها عدة دول متقدمة. أمّا نظام التعليم وبعض الكوادر الجامعية لدينا فـ «لك عليهم» !
نعي بأن معظم الخدمات العامة في أغلب دول العالم تكون بمستوى أقل من غيرها لأسبابٍ عديدة، أهمها ارتفاع عدد المستفيدين من هذه الخدمات. ومن الطبيعي أن جودة الخدمة تقل كُلّما ازداد عدد المستخدمين لها. وهنا يكمن التحدي لدى المنشأة في المحافظة على الحد الأدنى من جودة هذه الخدمات. الجدير بالذكر هنا أن عِلم «خدمة العملاء» تأسس لهذا السبب وتطوّر عبر السنين على يد الباحثين وطلبة العلم لأهميته حتى انتقل إلى مرحلة «العناية بالعملاء» وهذا مايحتاج كل «موظف خدمة» التدرّب عليه وجعله نصب عينيه أثناء قيامه بعمله. رجوعاً إلى الخدمة العامة في وطننا الحبيب، فمن العدل القول إن جزءاً من انخفاض جودة الخدمة سببها المستفيدون من مواطنين ومقيمين من خلال قلة وعي البعض ومحاولة مقاومة التغيير في عدم استخدام القنوات البديلة للخدمة وغيرها كثير من الأسباب غير المنطقية. فليس كل اللوم على مقدميّ الخدمة، حتى نحن مهما بلغنا من التحضّر فـ «لك علينا» !

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٨٢٨) صفحة (٨) بتاريخ (٠٥-١٢-٢٠١٦)