مريم خضر الزهراني

تعد الآونة الأخيرة ساحة خصبة لإبراز أقلام نسائية خليجية عديدة، خصوصاً في فنون الأدب المختلفة كالرواية والقصة والمقالة؛ وتحضرنا أسماء مميزة وتغيب أخرى، ويلاحظ أن الكاتبة الخليجية بصفة عامة جعلت لها صوتاً ومكانة رفيعة في هذا المجال وأصبح لها ظهور لافت على الساحة العامة لدرجة أنه شد اهتمام كثير من المفكرين والأدباء وانبهروا بأدائها المميز.
ورغم كل ذلك فهي ما زالت تصارع كثيراً من أجل الحفاظ على هذا المستوى الرفيع أمام تحديات ومعوقات شتى تحد من ظهورها ومنها على سبيل المثال لا الحصر.
عدم الاستقلالية بحريتها الفكرية، فلا نجدها تغوص في الكتابة والفكرة وتتعمق فيها، مما يفقد الأسلوب رونقه وانسيابيته ويخرج متخماً بالركاكة والضعف، مما يحد من تأثيره الإيجابي على المتلقي.
يصعب عليها توصيل رسالة أدبية مباشرة للمجتمع.. فنجدها تختبئ وراء ستار الأسماء المستعارة خوفاً من النقد المجتمعي.. كل هذه المعوقات تسلبها كيانها ككاتبة وتحول دون انطلاقها بشكل واضح.
معاناتها من الفكرة الخاطئة في التمييز بينها وبين الكاتب الرجل؛ إذ أن هناك من ما زال يفرق بين لغة المرأة ولغة الرجل واعتبارهما لغتين مختلفتين، مع أنني أرى أن الإبداع من الكاتبة أو الكاتب هو الحاسم والفيصل والمعيار في الموضوع.
الجانب الأقوى في التحديات والمعوقات هو النظرة القاصرة لدور المرأة في الكتابة الأدبية وجعلها حكراً على الرجل فقط، كل ذلك جعلها تقاوم بكل قوة وجدية لإثبات وجودها ودورها الفعال لتخرج من شِباك الإعاقة الفكرية، الأمر الذي جعل المجتمع الذكوري يصفها بالتمرد على القيم أو لنقل ما يرونه هم قيماً وخطوطاً حمراء لا يسمح بتجاوزها.
كما أن الكاتبة تتعرض لكثير من ضغوط بعض جهات ومؤسسات المجتمع المدني، مما يحول دون حضورها الملتقيات الأدبية واللقاءات الثقافية في الداخل والخارج التي تتطلب إجراءات عديدة وتعجيزية لتحول دون ذلك الحضور.. بالإضافة إلى عوائق أخرى تحد من إنتاجها وإبداعها الفكري والمعرفي مثل البيئة المحيطة بها، كالأسرة التي تشعرها بالخجل لكونها امرأة تظهر لعامة المجتمع بفكرة أو كتاب أو قصيدة أو ديوان شعر، فتكون حجر عثرة في طريقها تحرمها وتسبب لها إما إحباطاً شديداً يؤدي إلى أن تعتزل، أو المقاومة والمواجهة رغم كل التبعات التي نوهنا عنها آنفاً!!
هناك لا شك فئة من المحبطين لإبداع المرأة بالتدخلات الجانبية وبالنقد المحبط المستفز، الأمر الذي يجعل بعضهن يضعفن ويبتعدن وبعضهن يصمدن ويزددن إصراراً وعزيمة مهما كانت العواقب.
وكما أن للفكرة والقلم هموماً فإن للنشر همومه أيضاً، فقد تواجه الكاتبة الخليجية مشكلات تمنعها من توثيق العمل وانتشاره وظهوره للساحة في أسرع وقت ممكن، ولربما تطلب ذلك أحياناً خروجها وسفرها للإشراف على الإصدار وتوزيعه للنشر، وتحول دونها أمور محبطة إما الهيمنة الذكورية من الرجل زوجاً أو أباً أو أخاً أو فقط لمجرد الغيرة من المنافسة وخشية ظهورها وتفوقها على الرجل.
ختاماً، أرى أن الصرح الثقافي أياً كان نوعه فهو مجال لكلا الجنسين ولا يحق لأي منهما تقييد الفكر والطرح ومنعهما من الاستمرار والظهور، وعلى الكاتبة الخليجية عدم التخلي عن الاستمرار والمثابرة بكل ثقة لكونها نصف المجتمع وترى من جانبها رؤى مختلفة عن الرجل فتكتب عنها لتفيد مجتمعها، ولا يحق للرجل التحيز والقمع واعتقاده الأقوى في حقه وحده في احتكار عالم الفكر والإبداع.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٨٢٩) صفحة (٨) بتاريخ (٠٦-١٢-٢٠١٦)