كنت والأسرة ليومنا نحزن بشدة عند تغيير المدير بعد أن عشنا معه سنين على الصحة والمرض، وقد يصل الحال لبكاء تقاعد سعادته، فقد أصبح فرداً من العائلة، وقد نسمي أولادنا تيمناً باسم سعادته (عشقاً لا يعلمه أو يهم سعادته)، ثم ما نلبث أن نفرح مجدداً بمقدم المدير الجديد، مستبشرين لا إرادياً بالخير، لنودع السابق بقليل من الانتقادات وبعض السباب المحمود لتقصير سعادته الذي لم نكن نراه عندما كان يديرنا، وربما غضضنا الطرف احتراماً أو خوفا من بطش سعادته.
ما يميز كل قادم ضخامة وعوده وعديد ملفاته المبشرة باستراتيجية جديدة، أساسها طمس كل ما سبق من استراتيجيات، ووعود بمستقبل زاهر يغيب فيه المرض، ويزينه الصحة والفرح، وقد ننسى وربما لا نجرؤ على سؤال سعادته عن الرؤيا التي تستند لها خططه بعد أن لعن الظلام، ووعدنا بإشعال الشموع في النفق الطويل الذي مات فيه عشرات من المرضى بحثا عن طوق نجاة، لتنتابنا نوبة من حسن الظن أتبعناها بالتكبير والتهليل والدعوات، وتبادلنا التهاني بمقدم سعادته.
تبدأ خطوات سعادته بجملة من التغييرات تشمل المناصب والمكاتب وبعض التصريحات بإصلاح ما أفسده السابقون والبدء من الصفر، وكل ذلك عبر جهازه الإعلامي، دون أن يكلف نفسه عناء المرور والسؤال عن الحاجة والمحتاجين! وبعد أن كتب الله له تسلم خزائن الإدارة، جاء بأخيه هارون الأفصح منه لسانا وأبناء عمومته الأشد بطشاً ليكونوا له ردءاً، وأتبعهم بالشركات الاستشارية وغير الاستشارية وفلاسفة الكلام والتنظير وأصحاب الكرفتات الفاتنات، الذين يحسبهم الجاهل علماء من ثرثرتهم ويسكت العالم عن فضح جهلهم. ليعلن أن العمل سيكون «على مية بيضا»، دون أن يعلم أن «المية البيضا» مسؤولة عن كثير من حالات العمى!

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٨٣١) صفحة (٤) بتاريخ (٠٨-١٢-٢٠١٦)