سلمى بوخمسين

سلمى بوخمسين

في كثير من الدراسات الأنثروبولجية تُعد قدرة الإنسان على استخدام النار وطهو طعامه حدثاً مهماً جداً في التاريخ الإنساني. حيث رافق تلك القفزة في أسلوب الحياة وإضافة أنواع غذائية جديدة لحمية الإنسان عديداً من التغييرات الجسدية، كصغر الفك والجهاز الهضمي مثلاً. بل وفي بعض الدراسات يتم ربط التغير في حجم العقل وازدياد قدرة الإنسان على التفكير بانتقالة لتناول الأطعمة المطبوخة. لذا فقد تمت دراسة عالم الطبخ بما يحتويه من وصفات وأدوات وأفران وأوانٍ وتتبع تطوره عبر العصور بدقة. بالنسبة لي لطالما نظرت للمطبخ وعالم تحضير الطعام كعالم موازٍ أو مختبر من نوع خاص بإمكانه أن يساعدنا على تبسيط الأفكار وعلى التحليل والفهم. فبالإمكان مثلاً فهم العلاقات الإنسانية بشكل تفكيكي حين نفهم قوانين تحضير الطعام، فالبشر كالمقادير تماماً بعضها يتماشى ويتجانس وبعضها لا يفعل، رغم كون جميع الأصناف عالية الجودة. أو من زاوية أخرى ترى بعض العلاقات سهلة سريعة التحضير بينما هناك علاقات معقدة تتطلب أن تطهى على مهل. بإمكاننا أيضاً استيعاب اختلاف الأذواق والأمزجة في الملبس والفن وحتى في الكتابة والقراءة حين نقارنها باختلاف أذواقنا في المأكل، فبعض الكتب كاملة الدسم أو شديدة الحلاوة تحتاج لقارئ نهم ذي مزاج عالٍ وبعضها يأتي خفيفاً قليل الدسم ومناسباً لقراء ذوي شهية منخفضة وهكذا. بالطبع هذه الأمثلة ليست الدروس الوحيدة التي يمكن أن نتعلمها من المطبخ، فهناك درس حبتي الهال أو وريقات الغار أو زهرات الفرنفل. إنه درس الإضافة البسيطة ذات الأثر الكبير جداً. فعند تحضير طبق أرز أبيض دون تلك الإضافات سيأتيك رتيباً فقير الطعم والرائحة، بينما سيكون غنياً شهياً زكي الرائحة معها، ستذوب حبات الأرز في فمك وأنت مستمتع تماماً وستشعر باهتمام واحترافية من حضّره لك، وليس مستغرباً لو طالبت بمزيد.
إن حياتنا وعلاقاتنا الأسرية والاجتماعية والعملية تشبه طبق الأرز الأبيض كثيراً، حيث يغلب عليها الطابع الروتيني وتسيرها المهام والواجبات وكثيراً ما تغرق في الرتابة. في كثير من الأحيان نشعر بأننا مقيدون تماماً وعاجزون عن التغيير فنستمر في اللهاث داخل العجلة اللا منتهية غير مدركين أن ما نحتاجه لكسر الروتين وإضافة بعض البهجة لحياتنا هو ببساطة أن نضيف حبتي هال. كل ما علينا هو أن نعرف البهار المناسب لنا ولحياتنا .فمثلاً، إن كنتِ أماً في سباق مع الزمن لتحضير وجبات الأطفال ثم تدريسهم فتحميمهم فالزج بهم في سررهم ليلاً ولم تتوقفي حتى لالتقاط أنفاسك فأنتِ حتماً بحاجة لحبتي هال. ما رأيك لو حضرت ِعشاءً يكفي ليومين حتى يصبح لديك قليل من وقت الفراغ لتقضيه بصحبة أطفالك بعيداً عن تلك المهام، فتلعبي معهم في ألعابهم الإلكترونية مثلاً، أو تسرِّحي معهن شعر عرائسهن البنفسجي. أو يكفي أن تجلسي معهم فتستمعي لأحاديثهم الطفولية البريئة. قد تفاجئين تماماً بما تخبئه رؤوسهم الصغيرة وفي نظرهم ستصبحين أروع الأمهات. إن كنتَ لا تتذكر المرة الأخيرة التي نظرت فيها لعيني زوجتك وكانت الرسائل الوحيدة التي ترسلينها له هي قائمة المشتريات وانحصرت أحاديثكما في ابنك فعل ابنتك قالت، فأنتما بالتأكيد بحاجة لحبوب الهال. انتشلا نفسيكما من الكيان الأسري الضخم بكل مسؤولياته وهمومه على الأقل مرة شهرياً، عودا إلى الزمن الجميل حيث كانت نحن تعني أنت وهي فقط، أشعلا جذوة الحب التي تكاد أن تخمد تحت أطنان المهام، إجعلا من ذلك اللقاء حدثاً استثنائياً متجددأً مملوءاً بعناصر الإثارة. حينها سيصبح لديكما ما تنتظرانه وتخططان له كل شهر وستعود روحاكما الشابة المغامرة للظهور. عموماً، مهما يكن نوع الروتين الذي تغرق فيه وفي أي علاقة يشوبها الفتور لا تيأس وجرب إضافة الهال. الرسالة هنا أعزتي أننا نحن من يركن إلى الروتين أحياناً ونتوقف عن المحاولة، بينما قد تكون الحلول التي ستنقذنا وتمنح حياتنا مزيداً من القيمة وتخلق لنا عديداً من الذكريات الجميلة وقد تنقذ حتى علاقاتنا الذابلة هي حلول بسيطة سهلة وغير مكلفة، تماماً كحبتي الهال.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٨٣٢) صفحة (٦) بتاريخ (٠٩-١٢-٢٠١٦)