أكتب هذا المقال بالتزامن مع بث تقرير إذاعي أشرفت على إعداده في زيارتي الأخيرة للسعودية حول الأسباب الخفية التي تقف خلف انجذاب شبابنا إلى تلك التنظيمات المتطرفة التي ساهمت في غسل أدمغتهم وحولتهم إلى قنابل موقوتة ضد أوطانهم.
في الطريق إلى سجن المباحث العامة في الحاير جنوب الرياض، حاولت استيضاح عديد من المعلومات حول أعداد هؤلاء الشباب والظروف التي عاشوا في كنفها ودفعت بهم إلى طريق جهنم.
الغرابة تكمن في أنهم ينتمون إلى مختلف المناطق والمشارب ويحملون شهادات علمية تصل أحيانا إلى الدكتوراة، وعاشوا في معظمهم ضمن بيئة سوية تخرج منها كثير من الشباب المميزين.
فور دخولي إلى الساحة التي يتجمع فيها الموقوفون عادة لاستنشاق الهواء النقي والحصول على جرعات من أشعة الشمس، لاحظت نظرات الشك والريبة من تلك الصحفية التي تحمل جهاز تسجيل صغيراً وتحاول ولوج هذا العالم الذي طالما ظل حكرا على رجال الأمن.
التفت إلى أحدهم فاقتربت منه وحاولت أن أقنعه بالمشاركة في التقرير عبر عرض تجربته، في البداية كان متوجسا، لكن سرعان ما تراجع هذا التوجس عندما أخبرته بأنني غير معنية بالأسماء ولا بالصور فالتقرير إذاعي يعتمد على الصوت فقط.
«كنت متعاطفا فقط»، بهذه العبارة استهل حديثه، «لم أعرف ما كان ينتظرني في سوريا حينها، كنت متأثرا بما تعرضه وسائل الإعلام من صور الخراب والتدمير بالتزامن مع حالة التخاذل الدولي تجاه ما يحصل».
فور الوصول إلى سوريا يجبر هؤلاء الشباب على الانضمام تحت لواء تنظيمات تظهر غير ما تبطن، وترفع شعارات لنصرة الدين الإسلامي يقف وراءها كثير من المصالح الشخصية كما أخبرني سجين آخر.
حالة الصدمة وخيبة الأمل التي عاشها هؤلاء الشباب تدفع حتما نحو التساؤل حول المحرض، فالإعلام بكل قوته لا يملك القدرة على التحريض، إذن هي شبكة من المراحل والعلاقات المعقدة التي تودي بشبابنا نحو تلك المهلكة، البداية قد لا تكون في محاسبتهم فقط بل في مساءلة وملاحقة من أطلق الشرارة الأولى في أذهانهم.. وما أكثرهم.

إيمان الحمود
كاتبة واعلامية سعودية تلقت تعليمها المدرسي في مدينة الجبيل الصناعية شرق المملكة العربية السعودية ،عملت في وسائل… المزيدكاتبة واعلامية سعودية تلقت تعليمها المدرسي في مدينة الجبيل الصناعية شرق المملكة العربية السعودية ،عملت في وسائل إعلامية عدة بينها صحيفة الشرق الأوسط اللندنية بعد أن أكملت دراستها الجامعية في المملكة الأردنية الهاشمية وانتقلت بعدها إلى فرنسا لإكمال دراستها العليا ، تعيش وتعمل في العاصمة الفرنسية باريس منذ العام 2006 ، وأصدرت كتابها الأول مع مجموعة من المثقفين العرب تحت عنوان "باريس كما يراها العرب " عن دار الفارابي في بيروت .
نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٨٣٧) صفحة (١٦) بتاريخ (١٤-١٢-٢٠١٦)