وفق معادلات السياسة الغارقة فيها المنطقة التي تسير بين حقول ألغام، لا مكان للصدفة في تحركات داعش وغيرها من القوى والدول الفاعلة في الإقليم …

قطع تنظيم داعش الشك باليقين عندما أعلن مسؤوليته عن تفجير الكنيسة البطرسية بالقاهرة، التي راح ضحيتها 25 مواطنا مصريا وجرح عشرات آخرين، وكأنه يمرر رسالة غير مباشرة مفادها أن الضرب تحت الحزام في مصر سوف يستمر بالطريقة التي تشبه عقد تسعينيات القرن الماضي، وذلك بالتحالف مع قوى شبيهة بأيديولوجية التنظيم، الذي يتلقى الدعم والتأييد من قوى دولية. وفي تحرك مواز يخوض التنظيم الإرهابي معركة وجود في الموصل بعد أن قرر المجتمع الدولي تحريك الملف وفق مواصفات وجرعات وحسابات معينة تتعلق بالوضع في الإقليم بحيث تراعي الوضع الكردي في شمال العراق، الذي تطمح قيادته في إعلان الدولة المستقلة في إقليم كردستان العراقي زائدا بعض الأراضي الجديدة، لتبدأ فعليا عملية تفتيت العراق كمقدمة لتجزئة بلدان أخرى بينها سوريا وليبيا وبلدان مر عليها الربيع العربي وأخرى قد يأتيها الدور من حيث لا تحتسب.
لكن عملية تفجير الكنيسة المصرية قبيل أعياد الميلاد هي مزحة دموية داعشية مقارنة بالغزوة الثانية لمدينة تدمر السورية التي جيش لها التنظيم وحرك آلافا من مقاتليه من الموصل، التي تشهد احترابا حامي الوطيس، إلى الرقة ودير الزور ليبدأ الزحف في الصحراء على مرأى ومسمع من الأقمار الصناعية للدول الكبرى ومنها الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا. روسيا التي كانت تنصب قاعدة عسكرية في تدمر سرعان ما جرى تفجير مقارها مع قدوم طلائع مقاتلي داعش، وفق ما تسرب من معلومات وأنباء، بينما انسحب الجيش السوري النظامي وحلفاؤه من المدينة فتم احتلالها خلال 48 ساعة ومن ثم رفع علم داعش على مبانيها. لكن التنظيم يعرف أنه احتل أرضا مكشوفة ويمكن إزاحته منها بمزيد من الضربات الجوية الروسية والسورية المدعومة بالمدفعية وفرق المشاة من الجيش والحلفاء، ومع ذلك هو أقدم على خطوة مثيرة للانتباه بينما تحشد الجيوش له في الموصل وفي الرقة عاصمة الخلافة. فكيف نفهم ما يقوم به داعش من عمليات انغماسية وانتحارية وتخطيط يخلط أوراق اللعبة ويبعث ضبابا كثيفا لحجب الرؤية إزاء ما يخطط للمنطقة برمتها؟
وفق معادلات السياسة الغارقة فيها المنطقة التي تسير بين حقول ألغام، لا مكان للصدفة في تحركات داعش وغيرها من القوى والدول الفاعلة في الإقليم. فمعركة الموصل يمكن حسمها، دوليا، إذا كانت هناك إرادة حقيقية، بعيدا عن حتى الجيش العراقي نفسه. ألم تحسم معركة إسقاط النظام العراقي السابق في أيام معدودة عام 2003؟! إن المشكلة ليست في الفساد المستشري في دولة المحاصصة العراقية ومؤسساتها بما فيها الجيش والقوى الأمنية والنخبة السياسية فحسب، بل إن الإرادة الدولية المعطلة لشروط هزيمة داعش لم تنضج بعد في رأي عديد من القوى الإقليمية والدولية. وحيث إن وسائل الإعلام يسيطر عليها القوي، يتم جرها إلى موقع الحدث المطلوب تسليط الضوء عليه. يحصل هذا في معركة الموصل وتدمر وما يجري في حلب من احتراب يدفع المواطن السوري ثمنا باهظا فيه وكأننا نعيش في القرون الوسطى، حين تقفز بعض المشاهد المأساوية للسوريين وهم يهربون رعبا من القذائف والطيران والسيارات المفخخة والقناصة الذين يريدونهم أسرى بين أيديهم حتى تدق ساعة المساومة والتفاوض. إن داعش لم يأت من فراغ، إنما جاء ليملأ هذا الفراغ، وهو موجود في كل أرجاء الوطن العربي وبلدانه الممتدة من النهر إلى البحر، وهو جاء ليقطف ثمار اليأس الذي يعاني منه الشباب العربي بعد فشل مشاريع وخطط التنمية المستدامة وتراكم هذا الفشل منذ عدة عقود فوتت خلالها أكثر النظم العربية فرصا ذهبية في انتقال بلدانها من مرحلة الفاقة والفقر والبطالة والمرض إلى رحاب الحياة الحرة الكريمة التي تشترط الاعتراف بحاجات الناس الأساسية.
داعش موجود في العراق وسوريا وليبيا والجزائر وتونس واليمن ومصر ونيجيريا، ولديه خلايا نائمة تستيقظ بين الفترة والأخرى لتضرب وتفجر في بلدان لاتزال هدفا لداعش والتنظيمات التي فرختها القاعدة. وعندما قرر التنظيم إعادة احتلال تدمر فقد فعلها، في هذا الوقت يضغط داعش بشكل غير مباشر لقبول عناصره العائدة إلى تونس ليصدر بشأنهم تشريع يتعلق بالتوبة، أي بقبولهم دون مساءلتهم بعد عودتهم من مناطق الصراع، في وقت لاتزال قضية اغتيال زعيم الجبهة الشعبية التونسية الشهيد شكري بلعيد أمام بيته لم تصل بعد إلى خواتيمها.
تدرك المنطقة أن تنظيم داعش يفجر في أكثر من مكان دون سابق إنذار، وهو يخوض الآن معارك في الموصل العراقية وفي الرقة وتدمر السوريتين، وهذا واضح وجلي. لكن غير الواضح أن داعش وهو يفقد الأراضي التي سيطر عليها قبل سنتين ونصف السنة في الموصل ويتم حصاره في عقر دار «الخلافة» من قبل أكثر من جهة، فهو يعد أيامه الأخيرة في «ولاية» الرقة السورية، إذ لم يعد سرا في ضوء التحشيد الدولي والإقليمي لإخراجه منها وتنصيب الجيش الحر المدعوم من الدول الغربية واليا جديدا لها. لكنه والحال كذلك بإمكان داعش أن يحتل مدينة وسط الصحراء مثل تدمر، كما يمكنه إعادة خلط الأوراق في المواقع التي يختارها، وكأنه قوة طرزانية لا تقهر، بينما الحقيقة أن هذا التنظيم وهو يمارس ثقافته الإقصائية يدرك أنه لم يأت من عدم.
لاشك أن شظايا داعش سوف تتناثر في أكثر من اتجاه بعد أن يشعر بحصار فعلي وفقدان حقيقي للموصل العراقية. لن يكون هناك مأمن من ردود أفعاله في بلدان المنطقة، فهو يعمل على ضرب إسفين بين مكونات المجتمع الواحد، والمقاومة المطلوبة لقطع الطريق عليه هي تمتين الوحدة الداخلية في كل مجتمع يشعر أن خلايا داعش النائمة قد اقترب استيقاظها.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٨٣٩) صفحة (٩) بتاريخ (١٦-١٢-٢٠١٦)