وفاء الراجح

‏إن مَا أَتصوره يَقع تَحت حقل رمزي يتشعب بين الحياة وبيني، تلك الصورة البلاستيكية ملونة بفعل الطبيعة الساخرة من بيت الدجاج، صياح الديك، لعاب الكلب المسعور، قذارة الطريق، مكب النفايات، بائع الذرة، ملمع الأحذية، وكثير من الأحاديث المادية التي اتّخذت شكلا عيارياً للبشر.
‏لم تكن الصورة مُتأهبة للالتقاط!
‏لم أكن مستعدة لهذا النوع من التصور الكرتوني عن البيئة التحتية للإنسان.
‏عندما رميت عينيّ بعيداً لأول مرّة، سقطت على هندام عامل النظافة الأصفر!
‏على أيدي المُزارع المتسخة بالوحل!
‏وحذائه البالي!
‏وجبينه الذي يتصبب عرقاً!
‏على قفاز الخادمة!
‏أصابعها المجرحة بالسكين!
‏سريرها الرخامي على بلاط المنزل النظيف!
‏بالطبع لم أنس منظر الخباز والفوال وحلاق الشعر وبائع التموينات في الحارات والأسواق وكثير من هذه التصورات التي جاءت على نحو منظم ومماثل للطبقات العلوية والسفلية للحاجة والبشر.
‏من يسكن الطابق الأرضي ليس كمن يسكن الطابق العلوي، الذين يعيشون في حي الورود ليسوا كمن يعيشون في حي النسيم، ومع أننا نزلاء هذا العالم، هناك من ينام على وسادة ومن ينام على خزفٍ، أو إسفلت أو كرتون!‏ هذه المدلولات الواضحة التي تعبر عن أيقونة الواقع الموجود، ضبطت على قياس معين. انطلاقاً من مقعد السيارة الأمامي حتى آخر فرد يعيش في هذا القُطب المتجمد.
‏لقد مثل الاختلاف معاملة هندسية خاطئة وخاصة، أحالت نصف العالم إلى قشور قمعية ليس لها أساس من الصحة. قشور لا أرض لها ولا نبات غير أفكارنا المصابة بالنفور والترهل.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٨٣٩) صفحة (٨) بتاريخ (١٦-١٢-٢٠١٦)