سلمى بوخمسين

سلمى بوخمسين

قبل مدة مرّ بي موقف أثار حنقي، ليس لأنني أراه للمرة الأولى بل على العكس غضبت لأنه أصبح متكرراً جدّاً وفي كل البيوت، لقد وصل السيل الزبى وانتقلت العدوى حتى لم يتبقَّ منا من هو معافى، بل نحن جميعاً شركاء في الجريمة، أجل جريمة.. أحد مرضاي كان في الثالثة من عمره، دخل غرفة الفحص مع والديه أخضري الجواز، بدويَّي الملامح والثلاثة لا يتكلمون سوى بالإنجليزية، والصغير رغم أنه وُلِد وكبر هنا فهو لا يفهم لغة بلاده.. لماذا.. لماذا.. لماذا…! لست منافقة ولا أقول ما لا أفعل، أجل أنا وصغيراي نتكلم الإنجليزية بطلاقة وقد حرصت على تعليمهما إياها، بل أتمنى لو أجدنا اللغة الفرنسية أيضاً واللاتينية كلغة ثانية أو ثالثة أو رابعة حتى، لكن لن ولن ولن نتنازل عن لغتنا الأم الحنون العربية.
لن أتحدث هنا عن مخاطر هذا المرض وكيف سينخر هذه الأمة وما فيه من حَوَل وانسلاخ من الهوية واستعمار وتغريب فكري و و و و.. بل سأترك كل هذا لشيوخ المنابر، ما يهمني أنا هنا والآن هو معشوقتي وحبيبتي وآسرة فؤادي لغة الضاد نفسها، بكل مفرداتها وحروفها، بكل موسيقاها وسحرها. اللغة التي اختارها الله لكتابه المحفوظ دهر الدهور، اللغة التي دعا بها حبيبي محمد صلى الله عليه وسلم بلسانٍ عربيٍ مبين، اللغة التي يتعبد بها ملايين المسلمين في العالم. أيعقل أن نكون نحن ورثتها وحماتها فنتنكر لها ونقتلها! وَيْحَكم أليست معشوقتي أجمل من أن تُوأد!!
ابنة اختي الرائعة مثال حي لجيل اليوم وهي ولله الحمد قارئة نهمة لكن جل قراءتها بالإنجليزية فلما سألتها یوماً لمَ لا تقرأین بالعربية، أجابت أنه لم يثر اهتمامها أي كتاب عربي !! «يلهوي، يلهوي، يلهوي» الحضارة العربية بكل نتاجها الفكري والأدبي والعلمي والديني على مدى العصور بالنسبة لجيل اليوم «بووورنق» أي مملة!! أهي مملة حقّاً أم إنهم لم يعودوا يفهمونها! لم تعد تخاطب آذانهم، لم تعد تحرك مشاعرهم، هل أصبحت لغة بعيدة غائبة مهملة تحتاج مفرداتها للترجمة!!
قبل مدة سجدت لله سجدة شكر لأنني رأيتها تقرأ رواية ساق البامبو لسعود السنعوسي. وأخيراً وجدت ما يمكن أن يلفت نظرها! أنا متأكدة من أن سعود الذي استطاع كتابة رواية تفوز بجائزة البوكر تحدث بالعربية عندما كان في الثالثة، وأن أمه نادته بـ «عيون أمه» ولم تقل «هوني» أو «دارلنق» أو«سويتي». فسعود من جيل الأمس، جيلي أنا، الجيل الذي قرأ للمنفلوطي وطه حسين ونجيب محفوظ. الجيل الذي تندر مع كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني، الجيل الذي قرأ خلسةً ألف ليلة وليلة وهلوس مع حكايات مردتها وجواريها، الجيل الذي حفظ المعلقات ودواوين نزار قباني وإيليا أبو ماضي، الجيل الذي يعرف من هو مجنون ليلى وعمر بن أبي ربيعة وتأبط شرّاً، الجيل الذي كانت نسخته من العم قوقل هي كتب شريف العلمي، الجيل الذي غنى لا تكذبي وقارئة الفنجان وأنت عمري. جيل بمزاج عربي وذوق عربي ولسان عربي. فإن كان أبناء ذاك الجيل بكل ما لديهم هم واقعاً من أوجدوا وربوا وأنشأوا جيل اليوم، فترى كيف سيكون جيل الغد!
Can you answer me darling.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٨٤٠) صفحة (٨) بتاريخ (١٧-١٢-٢٠١٦)