أمجد فتحي العمر

أمجد فتحي العمر

إن الممارسات اليومية ضد أطفال فلسطين تحمل رسالة مفادها أن هؤلاء الأطفال يشكلون خطراً قوميّاً على إسرائيل وأنهم «أي الأطفال» عدو يتربص بإسرائيل وشعبها!، هذه الممارسات لا تتوقف عند قتل الطفل بل تتجاوز ذلك – من وجهة نظر إسرائيل- ليؤمنوا أن هذا الطفل إنما هو عدو حقيقي يتم إعداده لملاقاة جندي إسرائيلي بعد سنوات، ولأن الطفل الفلسطيني يتفوق على الطفل الإسرائيلي بحقه التاريخي في وطنه فلسطين، فهو سيعمل على حماية فلسطين وتحريرها جيلاً بعد جيل؛ لذلك يجب إفناؤه قبل أن تقوى همته وتقسو أظافره على ظلم الاحتلال وبطشه.
هؤلاء الأطفال يُجبرون على ترك الحياة فجأة ودون مبررات، يُجبرون على تبديل الابتسامات البرئية بدمع وآهات تملأ المكان والقلب وتُبكي كل من يحمل ضميراً إنسانيّاً بين جنباته، وهنا يتبادر إلى الذهن سؤالٌ مهمٌّ: ما علاقة الأطفال بالسلاح والقتل والسياسة النتنة التي تُمارس على الشعب الفلسطيني الأعزل؟
هذه الوسيلة التي تمارسها إسرائيل وتَعدُّها منهجاً إستراتيجيّاً حقيقيّاً لبناء دولة اليهودية واستكمال مشروعهم الضخم من خلال فرض واقع مبرمج تكون مهمته استخدام الأساليب اللاشرعية ضد الفلسطينيين، فالذاكرة الفلسطينية حبلى بكثير من الجرائم على مدى تاريخ القضية وصولاً إلى ما يحصل اليوم في فلسطين عموماً وفي قطاع غزة بشكل خاص.
تعتقد إسرائيل أن قتل الأطفال سوف يعطي بعداً انهزاميّاً في نفوس أقرانهم وبالتالي هم يخططون ويتمنون أن يكون هناك جيل جديد من الفلسطينيين يحمل في ذاكرته كثيراً من الخوف من الموت والبُعد عن المقاومة، لكن فاتهم أن كل هذه التصرفات الهمجية التي يقومون بها إنما هي وقود حقيقي يُعلّم الأطفال أن الموت بلا معنى هو أسوأ أنواع الموت وسيبقى الواقع يفيض بالدم الذي سيرسم معادلة المستقبل.. هم اليوم لا يعرفون ما هي الجريمة التي يقتل أقرانهم لأجلها ولا يعرفون ما هي الأفعال التي مارسوها ولكنهم في المستقبل القريب سيعرفون ويتعلمون أن الانتصار لمبادئ الوطن والقيم الوطنية وفلسطين هو الثمن الذي يقتلون من أجله ويرفعون في الأكفان ثمناً له.
تلك الأكفان البيضاء.. التي تحمل في توابيت خشبية، تحوي أجساداً ضعيفة صغيرة طغى عليها لون الموت الأصفر، مع مزيج من لون الدم الأحمر على أجسادهم، وعيونٌ ما زالت مفتوحة تحملق في السماء تجاه الحياة والأمل في غدٍ مشرق يحمل بشائر النصر والتحرير.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٨٤٢) صفحة (٨) بتاريخ (١٩-١٢-٢٠١٦)