عباس المعيوف

عباس المعيوف

صناعة الفارق بحد ذاته هي موهبة من الله يجب علينا استثمارها وتطويرها بالطرق والسبل الممكنة، في كافة المجتمعات الإنسانية، الموهبة وحدها لا تكفي أبداً وبالتالي من المهم تهيئة البيئة المناسبة للنجاح والمحافظة عليها، فالأسرة هي اللبنة الأولى لهذا المشروع الحياتي إن استُثمر، بعد ذلك تأتي المدرسة ودور المعلم في صقل الموهبة. وتبدأ ملامح الطفل الموهوب تظهر عليه العلامات من سن مبكرة 3 إلى 5 أعوام، مع ضرورة اختيار البيئة التعليمية المناسبة التي تنمي خبرات الطفل، هذه الغريزة لابد من إشباعها عاطفياً وسلوكياً وتعليمياً وتدريبياً والزج بها في البرامج العقلية والذهنية كلٍّ على حسب تخصصه وميوله، فالتشجيع والتأييد والمساندة الغذاء الحقيقي لأمثال هؤلاء الموهوبين الذين منحهم الباري -عز وجل- قدرة وفهماً وذكاء واستيعاباً يفوق أقارنهم. الوقوف معهم يعني ثروة اجتماعية وخدمة للدولة في استثمار أبنائها لخدمة الوطن والمواطن، وهذا ما تسعى إليه مؤسسات أهلية وحكومية تعنى باستقطابهم وتطويرهم.
من أجمل التعاريف التي قرأتها عن موهبة تعريف ميرلاند الذي تبناه مكتب وزارة التربية والتعليم الأمريكية، حيث يقول عن الموهوبين إن هؤلاء الأطفال الذين يملكون قدرات وإمكانات غير عادية تبدو في أداءاتهم العالية المتميزة، الذين يتم تحديدهم من خلال خبراء متخصصين مؤهلين ومتمرسين وممن لا تخدمهم مناهج المدارس العادية وبحاجة إلى برامج متخصصة ليتمكنوا من خدمة أنفسهم ومجتمعهم. وتشمل مجالات الأداء. كالقدرات العقلية والأكاديمية والقيادية والإبداعية والفنية والحركية.
قتل موهبة الإنسان لا يقل جريمة عن قتل الإنسان مادياً، خاصة إذا أصبح العقبة والإحباط من أسرته وأقاربه، وتتعاظم اجتماعياً إذا كان لا يولي اهتماماً بالمبدعين والموهوبين، إذن هي معوقات ذاتية وتعليمية واجتماعية. تموت أو تضمر المواهب الإنسانية تحت وقع الضغوط النفسية ذاتية كانت أو أسرية أو اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية، والعكس تماماً كلما كانت البيئة ناجحة على كافة الصعد انعكس ذلك على إبداع الفرد.
كثير من المواهب أصبحت معطلة أو شبه معطلة والسبب يعود إلى العامل الاقتصادي وعدم القدرة على تطوير قدراتهم وتنميتها بالحضور في الدورات التدريبية التي تنظمها أحياناً جهات دولية.
«الموهبة وحدها لا تكفي» عنوان كتاب الأمريكي جون ماكسويل الذي سلط الضوء فيه على العوامل المساعدة لنجاح الشخصية الموهوبة، وقال لماذا لا نسمع دائماً عن كثير من الموهوبين الذين لا يحققون نجاحاً كبيراً في حياتهم؟ وتدعيماً لوجهة نظره الخاصة؛ حدد «ماكسويل» في كتابه ثلاث عشرة نصيحة حاسمة يمكن من خلالها البدء في تنمية قدراتك؛ لتصبح مواهبك أكثر متانة، حيث يعتمد على إعجابه الشديد بالمواهب الكبيرة في الرياضة والعمل والقيادة والعلاقات الإنسانية؛ ليوضح الفارق بين الموهوبين والناجحين، ويضع خارطة لطريق الراغبين في الاستفادة من الحد الأقصى لقدراتهم. ويوضح الكاتب العائق الأساس الذي يقف في طريق النجاح؛ وهو عدم ثقة الفرد في قدراته، وأن ما ينقصه في هذه الحالة لا يقتصر على الموهبة فحسب، وإنما يمتد إلى تدعيم جذور الثقة بالنفس. كل هذا لا يكفي إلا بوجود الإيمان لتحقيق النجاح والسعي له.
الموهبة وحدها لا تكفي لصناعة الإبداع، فالطالب لابد له من ممارسة رياضة التطوير العقلي وتنمية الذهن، وهذا لا يتأتى إلا من خلال تقويمه ضمن برامج الموهوبين التي تشرف عليها عدة جهات رسمية وأهلية وتتمثل في مؤسسة الملك عبدالعزيز ورجاله للموهبة والإبداع ووزارة التعليم والمركز الوطني للقياس والتقويم. وحتى الآن تم اكتشاف أكثر من 69 ألف طالب وطالبة على مستوى المملكة، وهذا ينم عن وعي الدولة بتطوير المستوى التربوي والعلمي لأبنائنا وبناتنا.
الهدف التي تسعى إليه حكومتنا الرشيدة يصب في إعداد المواطن الصالح والاستفادة من الطلاب الموهوبين في خدمة بلادهم ونهضتها. والسعي لاكتشاف وفهم القدرات والاستعدادات لدى الطلاب الموهوبين وتوجيهها التوجيه السليم، كذلك توسيع مداركهم في مجالات مواهبهم وتوظيفها لخدمة أهداف التنمية مستقبلاً، تفجير المواهب الكامنة لديهم وتشجيعهم على التفكير والإبداع والابتكار. وكل هذا يصب في تعويد الطلاب الموهوبين على الجرأة وإبراز ما لديهم من مواهب ثمينة.
الموهبة هي وراثة واكتساب وتبدأ باهتمام الأسرة في تشجيع ابنهم لتجاوز كل العقبات والانطلاق نحو سماء الإبداع، يأتي بعد ذلك دور المدرسة ومدى حرصها في رفع كفاء الطالب والطالبة الموهوبة بالتعاون مع البرامج والدورات التي تقدمها إدارة الموهوبين في تعليم الأحساء. ولا ننسى الدور الكبير والتسهيلات الذي يقدمها مدير تعليم الأحساء الأستاذ أحمد بالغنيم في متابعته الشديدة والمستمرة لمصلحة الموهوبين. وتبقى رعاية سمو محافظ الأحساء الأمير بدر بن محمد بن جلوي -حفظه الله- هي المظلة الرئيسة التي تجمع كل المواهب والإبداعات، التي أبرزت اسم الدولة عالياً في المحافل الدولية.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٨٤٣) صفحة (٨) بتاريخ (٢٠-١٢-٢٠١٦)