عكست أرقام الميزانية التي صدرت يوم أمس كثيراً من التوقعات الإيجابية وأحبطت العيون المتربصة والمغرضة فيما يخص الانهيار المالي للمملكة وذلك بسبب الحروب في منطقة الشرق الأوسط وانخفاض أسعار البترول والحرب على الحوثيين، وما أثار الانتباه لدى المحللين الاقتصاديين هو الزيادة في الإيرادات والمصروفات وانخفاض العجز من 340 ملياراً عام 2016 إلى 198 ملياراً في ميزانية 2017.
وقد حملت ميزانية هذا العام ملامح بارزة من خلال ما يطرحه مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية السعودي من رؤى ناجحة في معالجة الوضع الاقتصادي والانتقال من مرحلة الدولة المستوردة إلى الدولة المورِّدة، وكذلك وضع الخطط الاستراتيجية لاقتصادات المعرفة التي تسعى الدولة للوصول إليها خلال السنوات الأربع المقبلة.
وقد استطاع المجلس وضع رؤية استراتيجية للانتقال من حالة العجز المالي إلى الفائض المالي خلال السنوات الأربع المقبلة، وهذا ما سيتطلب كثيراً من معالجة بعض الأوضاع الاقتصادية التي سيشعر بعض المواطنين بالضرر المباشر عليهم من خلالها، وقد وضعت الدولة خططاً لذلك من خلال إيجاد موازنة الدعم للمواطن ذي الدخل المحدود وهذا ما تم تسميته «المواطنة المسؤولة» من خلال توفير برنامج لدعم المواطن سيتم إطلاقه في شهر فبراير 2017 «لتخفيف آثار الإصلاحات الجديدة على الجانب الاقتصادي ولكي يتم صرف وتنفيذ المستحقات قبل أن تطبق الأسعار الجديدة» وقد تم إنشاء هذا البرنامج لرفع كفاءة الدعم الحكومي للمواطنين المستحقين بشكل مباشر.
وذلك بهدف دعم الأسر على الاستهلاك الرشيد لمنتجات الطاقة والمياه، ويأتي كذلك من أجل تخفيف وطأة الآثار الاقتصادية الناتجة عن الإصلاحات المختلفة على ذوي الدخل المنخفض والمتوسط. ويعدُّ هذا البرنامج الحديث من نوعه على مستوى العالم لدعم المواطن بشكل مباشر، كي يبدأ المواطن «الشريك»، في صناعة مستقبله ومستقبل البلاد من خلال الوعي بتلك النفقات التي لم يكن يشعر بها ذات يوم.
كما حملت ميزانية هذا العام رؤى اقتصادية مختلفة مبنية على أسعار ثابتة للنفط تم تثبيتها عبر السوق الدولي وبعد مرور فترة زمنية من محاولة المملكة في الوصول لهذا التثبيت؛ مما يعني أن أي ارتفاع سيكون لصالح المواطن في الفترة المستقبلية، وهذا ما يدعونا اليوم للوقوف مع رؤية 2030 التي ستبدأ أولى ثمراتها بعد 4 سنوات أي في 2020 حيث من المنتظر أن يكون هناك نهاية للعجز في الميزانية والوصول لمرحلة التوازن المالي في الميزانيات المقبلة.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٨٤٦) صفحة (١١) بتاريخ (٢٣-١٢-٢٠١٦)