المعرض التركي الذي قُتل فيه السفير الروسي كان بعنوان «روسيا في عيون الأتراك». والعين وإن كانت تأتي بمعنى الحفظ فيقال «أنت في عيني» أي في حفظي ورعايتي، إلا أن ما حدث كان مناقضاً لهذا المعنى وللهدف الذي من أجله أقيم هذا المعرض، الذي جاء بعد فترة من الصدع والاضطرابات في العلاقات التركية الروسية.
حادثة السفير الروسي بشكل عام كانت بمنزلة الرسالة والرد القوي على الجرائم التي يرتكبها الجيش الروسي مع شريكه الإيراني في حلب وريفها، وبغض النظر ما إذا كانت دوافع الشاب التركي كما ذكر انتصاراً لضحايا حلب أو بغرض صدع العلاقات التركية الروسية أو غيرها من الأهداف، فإن الكل يتفق على أن ما تمارسه هذه الدول هو ما يسمى بقانون الغاب الذي ينظر دائماً بمنظور القوة، وأن وجود هذه القوة وحدها كفيلة بقهر وقتل الضعيف.
وما قام به الشاب التركي يعد نوعاً من سياسات الشعوب المقهورة، التي ترى الظلم والاستبداد الذي لا ينكره أحد في حق المدنيين والأبرياء في مقابل استيفاء الحكومات جميع محاولاتها ومفاوضاتها الدبلوماسية لإصلاح الوضع. وتتمثل هذه السياسة – سياسة الشعوب – عبر الضغط على الحكومات المجرمة من خلال رعاياها في مختلف دول العالم، وهي نفس السياسة التي عانت منها أمريكا ورعاياها حينما تعرض المدنيون الأبرياء في العراق وأفغانستان للقصف الوحشي من خلال الترسانة الأمريكية. روسيا وإن كانت تصريحاتها عقلانية ومطمئنة بعد الحادثة، إلا أن ما سيتم اتخاذه من إجراءات عقب مقتل السفير الروسي سيكون له تداعيات خطيرة، فالتصريح شيء وما ينفذ على أرض الواقع شيء آخر.
أما بالنسبة للرعايا الروس في مختلف دول العالم فلا شك أنهم جزء من سياسات حكوماتهم إذا ما قوبلت تلك السياسة الجائرة بالصمت والتغافل، والرسالة المضمنة في هذه الحادثة أنهم قد يكونون مستهدفين في أي وقت نتيجة الجرائم التي تقوم بها حكومتهم في حلب وغيرها، وأن الشعوب الحرة لن تبقى مكبلة طويلاً، فقد فتح الشاب التركي الباب بمصراعيه، لصب جام غضب الشعب المكلوم على الروس حكومة وشعباً، فالمقتول مع كونه سفيراً ودبلوماسياً فقد كان من المقربين جداً للرئيس الروسي وسفيراً لأشد الدول صرامة على الصعيد الأمني، فما دونه لاشك أنه أهون. كما أن هذه الحادثة تعطي دلائل على بُعد نظر وزراء خارجية دول الخليج والعرب حينما صرحوا أن المفاوضات الدبلوماسية قد تمر بمنعطف خطير إذا لم يتم اتخاذ قرارات بوقف إطلاق النار، مما سينشأ عنه تداعيات هي أشد خطراً على الدول الجائرة، ليس من الناحية السياسية والاقتصادية فحسب بل والأمنية، وهو ما رأيناه في هذه الحادثة.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٨٤٦) صفحة (١١) بتاريخ (٢٣-١٢-٢٠١٦)