يبدو أن نظرية القطيع أخذت من حكاياتنا العربية كثيراً وكثيراً، فلطالما كرست في الذهنية العربية هذه الفكرة في عقولنا من خلال الأقوال والأمثال التي نسمعها مثل «الموت مع الجماعة رحمة»، «حط راسك بين الروس وقول يا قطاع الروس»، وغيرها من الأمثال العربية التي فرضت على الفكر العربي هذه الحتمية بأن يلتزم الإنسان بتصرفات الجماعة، ويقلدها دون أي اعتراض، ووصف كل من يعترض على هذه الفكرة بأنه «يغرد خارج السرب»، وأنه متمرد على سلطة الجماعة، ولعلنا صرنا محكومين بهذه القناعات التي تجعلنا نقبل الموت أو النهايات التعيسة لمجرد أننا جزء من هذه المنظومة، دون أن يفكر أي منا في أن يقول لكل هذه القطعان التي ينتمي إليها ضمن تركيبته المجتمعية المختلفة كلمة «لا» أو أن يفكر في رفع رأسه المطأطئ؛ ليعدل في مساره حتى لو كان على صواب؛ لأنه يعرف أن نهايته ستكون تحت أقدام القطيع، ويعتبر سلوك الناس في الحروب وفي المظاهرات وعند الشعور بالخطر وفي سوق الأسهم هي أمثلة واضحة عن «سلوك القطيع» الذي استفادت منه الجماعات الإرهابية التي جندت كثيراً من شباب المسلمين وغيرهم، اعتمدت على هذه النظرية في تجنيد أتباعهم ونشر العدوى الفكرية بينهم، ويشرح ذلك الفيلسوف الكَنَدي تشارلز تايلور، مؤكدا أن التهديد الحقيقي ليس الإسلام نفسه بل «تفكير القطيع»؛ حيث يشكل المتطرفون الإسلاميون أقل من 0.5 % من السكان المسلمين على الصعيد العالمي، لكن هذه النظرة هي التي تسيطر على تغطية الإعلام الغربي ليس فقط للإسلام، وإنما للتطورات السياسية في الشرق الأوسط وبطمسها.
كما أن الاختلافات الهائلة في الأوساط المسلمة تعزز هذه الصورة النمطية المُشوِهة للإسلام، وحسب وثائق مايكل جريفين في كتابه بعنوان «الدولة الإسلامية إعادة كتابة التاريخ» أصبح مثل هذا التفكير شائعا في الولايات المتحدة وأوروبا، ولعل أول من أطلق هذا المسمى على هذا السلوك وصاغه كنظرية فلسفية علمية هو عالم الأحياء هاملتون، وذكر فيه أن كل عضو في مجموعة ما يخدم نفسه بالدرجة الأولى؛ حيث يقلل الخطر عن نفسه بالدخول مع الجماعة والسلوك بسلوكهم، هكذا يظهر القطيع بمظهر الوحدة الواحدة؛ حيث يتبع الفرد الأضعف أو الأقل نفوذاً أو مالاً من هم أقوى منه وأشد نفوذاً، ولنا في السياسة والسياسيين والفن والفنانين والمشاهير أكبر الأمثلة، مما يؤكد اتباع سياسات جديدة في التعامل مع الجيل الجديد، حتى يتسنى له أن يحقق التميز كما أن علينا التخلي عن التكرار والإجبار في فرض كيفية التعليم وحل مشكلات الفساد والتفكير خارج الصندوق بفرض رؤى وأساليب جديدة لا تقف عند القرارات الحتمية، وإنما بالإنصات إلى الأصوات الجديدة والمؤثرة التي لا تريد اختراق العادات والتقاليد بقدر إرادتها تطوير كفاءة الفكر الإنساني وإخراجه من القوالب إلى رحابة الإنجاز والتفكير المنطقي وفرض الحلول لعديد من المشكلات التي تواجه العالم، وعلى الرغم من أن هذه النظرية مستحدثة إلا أن القرآن الكريم قد أورد عديداً من الآيات الدالة على سلوك القطيع، فنقرأ في قوله تعالى (لكن أكثر الناس لا يعلمون)، (وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون)، وفي ذلك دعوة الإسلام لتحرير العقول وترك التبعية، وإلى عمق التفكير واستقلالية القرار وفرض التطلعات والخروج من سجن المعتقدات القديمة إلى منطقة تحقيق طموح الجماعة ودعمها بالعمل والإنتاج بدلا من التبعية والذوبان بين عمليات التكرار ورفض التغيير أو الوقوف في طوابير التقليد والاتكالية».

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٨٤٦) صفحة (١١) بتاريخ (٢٣-١٢-٢٠١٦)