فهد عبدالله الغانم

فهد عبدالله الغانم

إن الأحداث المأساوية تتوالى من وقت إلى آخر، حتى اشتدت وبضراوة صعبت فيه من حال أهل هذه المدينة المنكوبة كبرى المدن السورية ومركزها التجاري، التي تقبع في الشمال السوري، إن احتدام الصراع الدامي في هذه المحافظة الإستراتيجية منذ الصراعات السابقة بين النظام السوري والفصائل الأخرى، التي كانت الكفة وميزان القوى تميل لصالح قوى المعارضة، لكن ممارسة الضغوط على الثورة السورية من قبل روسيا معنوياً وعسكرياً، وتلبية الرئيس الروسي فلاديمير بوتين نداء الديكتاتور لنزع فتيل الثورة قبل أن تصل إلى معقله الذي كان ينام فيه قرير العين بدمشق، وعجز الميليشيات الإيرانية ومن يساندها على الوقوف بوجه الثوار ووقف تقدمهم.
ولقد حولت البراميل المتفجرة التي يلقيها النظام السوري النصيري أعرق وأقدم مدن العالم إلى مدينة محروقة لا تعرف ليلها من نهارها وأصبحت قطعة من جهنم بمساندة من الطيران الروسي المدجج بالصواريخ والقنابل العنقودية المحرمة دولياً والميليشيات الإيرانية ومسلحي حزب الله اللبناني كل هؤلاء تركوا بلادهم لمواجهة من يصفونهم بالتكفيريين أو الإرهابيين في سوريا وأرادوا أن يساعدوا النظام ليحولوا هذه المنطقة إلى غابة يلعب الأسد فيها ويرتع في وقت باتت فيه دول العالم ومنظماته ملتزمة صمتاً مطبقاً ولم تحرك ساكنة لإيقاف الجرائم التي ترتكب ضد الإنسانية وفضح جرائم النظام ومن يسانده. وشهدت حلب، إحدى أكبر المذابح الجماعية في القرن العشرين.. ومن ثم ترك المدنيين يواجهون مصيرهم المحتوم ولم يتم الالتفاف إليهم أو قيادتهم إلى بر الأمان. فزد على ذلك أن هناك أكثر من نصف مليون سوري قتيل، وستة ملايين أصبحوا مشردين داخل سوريا نفسها، وأجبر خمسة ملايين على الفرار واللجوء إلى دول أخرى، وهذه بمجملها جرائم ضد الإنسانية، وبلا شك سوف تكون لها تداعياتها في المستقبل القريب وسوف تخلق جيلاً جديداً من المتشددين داخل وخارج سوريا، الذين يشعرون بالقهر والإذلال لما يحدث في سوريا عموماً وحلب خصوصاً من جرائم مروعة.
ولقد ألقت عملية اغتيال السفير الروسي في تركيا «في قلب أنقرة» بالرصاص السيد/ أندريه كارلوف من قبل شاب عشريني تركي يدعى/ ميرت التينتاس، وهو عسكري في الأمن التركي لمكافحة الشغب بظلاله على الأحداث في حلب من ناحية، وتداعيات تدخل الدب الروسي في الشرق الأوسط من ناحية أخرى. وسوف يتمخض عن هذا الأمر احتمالان أولهما: أن الروس والإيرانيين والنظام السوري سوف يقومون بالانتقام ويصعّدون عملياتهم الخطيرة في حلب ويمارسون هوايتهم التي يجيدونها بقتل الأبرياء من الأطفال والشيوخ والنساء والطلب من تركيا بأن تتحمل مسؤوليتها لحماية الدبلوماسيين الروس وأيضا السياح الذين يوجدون على أراضيها، واتخاذ أقصى تدابير الحيطة والحذر لتلافي ما حصل في حادثة اغتيال السفير الروسي لديها وهذا محتمل.
وثانيهما، النظر إلى الخسائر السابقة التي تكبدوها وسوف يتكبدونها مستقبلاً، ثم يراجعون حساباتهم ويدرسون خياراتهم، فالسيطرة على حلب ليست نهاية المطاف فلا يزال الوقت مبكراً لجلب الاستقرار والأمن في بلد أُخرج فيه الناس من ديارهم، ولذلك فالروس لن يتراجعوا بعد سيطرة حليفهم الأسد وأتباعه على هذه المدينة مهما كلفهم الأمر، حتى لو اضطروا إلى إنزال جيشهم على الأرض لمساندة قوات النظام وبعدها الاتجاه الى إدلب التي فر إليها مئات من رجال المعارضة المسلحة وهذا بدوره سوف يخلق لهم مشكلات جديدة ويفتح لهم الباب على مصراعيه، وهذا ما يجعلهم لقمة سائغة لعمليات المعارضة.
ولكن هل تقتضي التفاهمات السرية التي لا تنقصها المصارحة فيما بين الأسد وداعميه وبالتشاور مع تركيا إلى أن يسلكوا مسلكاً عقلانياً فيمكن أن يكون هناك أكثر من التينتاس في أي مكان في العالم، وأن يسرّعوا وتيرة الحل لهذه الأزمة عبر الانتخابات المبكرة وانتخاب حكومة انتقالية لا تتضمن الأسد، وهو الأمر الذي بلا شك يستحق أن يحظى في النهاية بزنزانة فارهة يتم حجزها له في لاهاي، وهذا مستبعد حدوثه لأن من ناصروه سوف يرحبون به بين جنباتهم ويجعلون منه ورقة للمساومة سوف يحتفظون بها إلى آخر لحظة.
إن إيران المتورطة أيضاً في الصراع السوري.. هي كالثور الهائج تتفاخر بأنها تسيطر على عواصم عربية عبر الطائفية.. لكنها الآن في مأزقين هما: لم تصل إلى تفاهمات واضحة مع الجانب الروسي للأزمة السورية ويساورها القلق من أخذ الروس زمام المبادرة مؤخراً. أما الآخر فيتعلق بنزهتها في سوريا بهدف إراقة مزيد من الدم السوري بدلا من حقنه، وكانت تتوقعها نزهة سهلة وقصيرة ولكنها أصبحت محفوفة بالمخاطر والخسائر وغاصت أرجل هذا الثور في المستنقع السوري، بعد أن لاقى أفراد ميليشياتها مصيرهم المحتوم، وتوزعت جثث قتلاهم ما بين طهران والضاحية الجنوبية معقل ميليشيات حزب الله اللبناني.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٨٤٧) صفحة (٨) بتاريخ (٢٤-١٢-٢٠١٦)