مركبات الذهب نجحت في المختبر وتفوقت على العلاج الكيميائي

الجارودي يواجه العالم لإبعاد «البلاتين» عن مرضى السرطان

طباعة ١١ تعليقات

محافظة القطيف كرمت الجارودي في حفل كبير قبل أيام (الشرق)

القطيفماجد الشبركة

3 براءات اختراع تحتاج إلى برنامج دعم ومراكز أبحاث.
العلاج الحالي جيش همجيٌّ يدمّر المسلحين والمدنيين معاً.

الدكتور سعيد الجارودي في مختبره (الشرق)

يقف أمام احتمالين: إما أنه أمام فتح علميٍّ طبي عابر للقارات، أو أنّه أمام خدعة مخبرية نظرية. إما أنه سوف يغيّر كلّ خطط علاج السرطان حول العالم، أو أنه أمام معادلات كيميائية مجرّدة من المفعول الحقيقي. وإثباتُ أيٍّ من الاحتمالين في حاجةٍ إلى جلَدٍ طويلٍ مدعومٍ ببرنامج دعمٍ حكوميٍّ يساعده على مواجهة العالم.
لسنا في القرن الثامن عشر الميلادي، ولسنا أمام قصة مثل قصة الطبيب الإنجليزي إدوارد جينر الذي اكتشفه لقاح الجدري من ملاحظته لحلاّبة بقر، ومن ثمّ تجريبه على أيّ مريض. الزمن الذي يُغامِر فيه المكتشف بتجربة دوائه انتهى. العراقيل القانونية والإجرائية والتجارية طوّلت المسافة بين المختبر وبين المريض. والجارودي، حامل الدكتوراة في الكيمياء غير العضوية، أمامه طريقٌ طويلٌ لن يتمكن من قطعه وحده. ولن تكفيه براءة الاختراع التي منحها إياه مكتب البراءات الأمريكيّ ليخوض التجربة المخبرية، ثم الحيوية، ثم السريرية..!

علاج بديل

هذا هو القلق الذي يحمله الدكتور سعيد الجارودي، وهو يتحدّث عن “مركبات الذهب” بديلاً عن العلاج الكيمائي لأمراض السرطان.. يقول “منذ أكثر من 40 سنة، وجزءٌ كبير من علاج السرطان قائم على الدواء الكيميائي. جرعات هذا النوع من العلاج تستهدف الخلايا السرطانية في الجزء المصاب، في محاولة لتدميرها. والتدمير قد يحدث فعلاً، ولكنه لا يكتفي بالخلايا المصابة، بل يتسع لخلايا أُخر سليمة، وتتبعُه آثارٌ جانبيةٌ خطيرة أيضاً، فضلاً عن الآلام التي تُلاحق المريض الذي قلّما يشفى شفاءً تامّاً من السرطان”.
أمام هذه الحقيقة؛ سعى الباحث السعودي الدكتور سعيد الجارودي إلى إيجاد طريقة أقلّ ألماً وأكثر فاعلية في مواجهة المرض الخطير. طريقة لا تستخدم السُّمّ في العلاج، ولا تترك آثاراً خطيرة، وتستهدف نتائج أفضل وأقلّ ألماً من الدواء الكيميائي التقليدي. وبعد أربع من السنوات من التجارب المخبرية المتواصلة؛ توصّل الجارودوي إلى “مركبات الذهب” لتكون علاجاً بديلاً عمّا هو معمولٌ به في مركز السرطانات.

براءة اختراع

الطريقة الجديدة وجدت طريقها إلى العناية العلمية بين جامعة الملك فهد ومدينة الملك عبدالعزيز للعلوم التقنية، إلى أن حصلت على براءة اختراع، باسم الجارودي، من مكتب البراءات الأمريكي هذا العام. صدرت براءة الاختراع للإنجاز المختبري، ولكنّ وصول الدواء إلى مرحلة الاستخدام بشكل نهائي يحتاج إلى رحلة طويلة مليئة بالمعوّقات والتحدّيات الخطيرة. لا يمكن لدواءٍ بهذه الأهمية أن يقدّمه الأطباءُ وحدهم، ولا يمكن للصيدليات أن تُعدّه تمهيداً لصرفه. ولا يمكن لشركات الأدوية المهيمنة أن “تتنازل” عن مليارات الدولارات في تسويق الأدوية الحالية، ليدخل منافسٌ صغيرٌ آتٍ من بلدة ريفية اسمها “القديح”.

كيميائي متمرّس

يعمل الدكتور سعيد الجارودي، عالم مختبرات في شركة أرامكو السعودية منذ 2003، ويحمل الدكتوراة في الكيمياء غير العضوية منذ 2014، حصل عليها من جامعة الملك فهد بالظهران. وقبلها حصل، من الجامعة نفسها،على المساجستير في الكيمياء العضوية سنة 1996، والبكالوريوس في الكيمياء الصناعية سنة 1993. وشغل وظيفة “محاضر” في الجامعة بين 2000 و 2003. ولديه أكثر من 20 بحثاً علمياً محكّماً في منشورٌ في مجلات عملية في الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة، أمثال: Polyhedron و New Journal of Chemistry و BioMetals و BioMetals.
ولكنّ حياة الجارودي الفعلية مكرّسة في المختبر. ابن الكيمياء سبق أن توصّل إلى طريقة جديدة تخصّ وقود الطائرات. الطريقة تحسب العوالق الموجودة في الوقود. اختبار يوفّر الجهد والمال والوقت، عبر تقنية الليزر. وعلى هذا النجاح حصل الجارودي على أولى براءات الاختراع سنة 2009. وفي 2014 وضع قدمه على “مركبات الذهب” في علاج السرطان.. ليحدد الاكتشاف الأول، ثم أعقبه اكتشافان آخران في 2015 و 2016، وبهذا يحتفظ في حقيبته على أربع براءات اختراع، ثلاث منها مختصة بعلاج السرطان بـ “مركبات الذهب”..!

بين الذهب والبلاتين

الدواء الكيميائي الحالي يُستخدم فيه البلاتين والأمينات والكلورايد. يُهاجم الدواء الخلايا السرطانية، ومعها الخلايا السليمة. تماماً مثلما يفعل جيشٌ حين يقتحم مدينة لقتال مسلّحين. والمسلحون يتمركزون في أماكن فيها مدنيون. يموت المسلحون، ومعهم مدنيون في مرمى النار. أما مركبات الذهب؛ فإنها تكون انتقائيةً في مهاجمتها المسلحين. الضحايا من المدنيين أقلّ. الأعراض الجانبية أقل. المعاناة أقل.
بهذا التبسيط يتحدث الجارودي عن مفعول “مركبات الذهب” في محاربة الخلايا السرطانية. يضيف “مركبات الذهب بصورة عامة تكاد تكون عديمة السمية والآثار السلبية على الجسم البشري. والخلايا السرطانية ليس لها القدرة على مقاومة مركبات الذهب”. ويقول “في المختبر؛ نجحت التجربة، واتضحت قوة المركبات وتأثيرها وفاعليتها في وقف انتشار الخلايا السرطانية وقتلها”. فوق ذلك “بعضها يتفوق في فعاليته بمراحل عديدة على فعالية العلاج الكيميائي الحالي. وهذا يجعل من المركبات ثروة كبيرة قد تحدث ثورة في علاج السرطان في العالم”. وقد أثبت الجارودي ذلك في المختبر، وصادقت مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم التقنية عليه، ثم مكتب براءات الاختراعات الأمريكي.
هذه النتيجة لم تتحقق بين ليلة وضحاها، بل احتاجت إلى “أبحاث متواصلة استمرّت أربع سنوات في دراسة مركبات الذهب واستخدامها كعلاج للسرطان”. يضيف الجارودي “وقد تُوّجت هذه الأبحاث بثلاث براءات اختراع وتسجيل الملكية الفكرية عند المكتب الأمريكي لبراءة الاختراع، إضافة إلى َنشر أربعة مقالات في مجلات علمية مُحْكّمة”.

ثلاث مراحل

على مستوى النجاح العلمي المختبري؛ كلّ شيءٍ ناجحٌ وناجز. لكن الجارودي يتعامل مع “دواء جديد”. المرحلة الأولى انتهت. وهناك مرحلتان معقدتان لا بدّ من عبورهما. هناك المرحلة الثانية التي تحتاج إلى إجراء الاختبارات على ما يُسمّى علمياً بـ “الوسط الحيوي”. ويعني ذلك تجربة العلاج على الفئران أو الأرانب. ولا يمكن أن تتم التجربة في مختبر شخصي محدود الإمكانات، بل في بيئة مخبرية متكاملة، لا تقل عن مركز أبحاث متقدم.
ثم هناك المرحلة الثالثة في التجربة على مريض سريري.. أي على مريض مصاب بالسرطان فعلياً ليخضع للعلاج الجديد، بعد نجاحه في الوسط الحيوي.
هذه هي المعضلة التي تواجه الدكتور الجارودي في إيصال خلاصة جهده إلى أسرة المستشفيات. رحلة طويلة لا يمكنه أن يقطعها وحده من دون برنامج دعم كبير يسخّر لها البيئة العلمية التطبيقية المثالية”
يقول الجارودي “أنا على يقين من أن هذه المركبات سوف ترى النور يوماً ما وتُستخدم علاجاً”. يضيف “أنا على أتم الاستعداد للعمل مع زملائي الباحثين السعوديين ذوي الاختصاص على تقديم خطة عمل متكاملة وبجدول زمني محدد للوصول لهذا الهدف الكبير”. ويؤمل الجارودي على “دعم متكامل من مراكز البحوث الخاصة”.

الدكتور سعيد الجارودي

  • حالياً: عالم مختبرات ـ أرامكو السعودية ـ من 2003
  • الدكتوراة في: الكيمياء غير العضوية 2014 ـ ج الملك فهد.
  • المساجستير: في الكيمياء العضوية 1996 ج ـ الملك فهد.
  • البكالوريوس: الكيمياء الصناعية ـ 1993 ـ ج الملك فهد.
  • محاضر ـ جامعة الملك فهد: 2000 ـ 2003
  • أكثر من 20 بحثاً علمياً محكّماً: الولايات المتحدة، بريطانيا.
  • 4 براءات اختراع: وقود الطائرات 2009 (1)، السرطان (1)، 2014، 2016 (2).
نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٨٤٨) صفحة (٨) بتاريخ (٢٥-١٢-٢٠١٦)
  • استفتاء

    هل تؤيد وضع حد أدنى للأجور في القطاع الخاص ؟

    مشاهدة النتائج

    Loading ... Loading ...