العقوبة هي الجزاء الذي يقرره القانون ويوقعه القاضي من أجل الجريمة ويتناسب معها، بينما يقوم المفهوم الحديث للعقوبة – فضلا عن الجزاء – على تقويم المذنب وتأهيله ليعود فردا صالحا في المجتمع، فتعتبر بهذا المفهوم جزاء وعلاجا يفرض باسم المجتمع على شخص مسؤول جزائيا عن جريمة بناء على حكم قضائي صادر من محكمة جزائية مختصة، والسجن هو نوع من أنواع العقوبات الجزائية، ولذلك لا يستخدم إلا وفقا للقانون، فهو سلب لحرية إنسان بوضعه في مكان يقيد حريته، وهو طريقة لاحتجاز شخص بموجب حكم قضائي أو قرار إداري من سلطة، يستند إما إلى قانون ينص على عقاب الشخص لكونه ارتكب جريمة، ومع كل ذلك فهذا لا يهدر بأي حال من الأحوال كرامة السجين الإنسانية.
في زيارتي لسجن ذهبان (إصلاحية جدة) بقدر ما أبهرنا التنظيم والتطور الملحوظ في المباني وفي النظام الإداري والأمني ورغم قسوة المكان وصرامة النظام؛ إلاّ أنّ الجوانب الإنسانية كانت حاضرة بتلقائية سواء في طبيعة التعامل مع النزلاء، أو في النظام الإداري الذي تدار به الإصلاحية، ففي ورشة الخياطة الخاصة بنزلاء الإصلاحية -التي يعملون فيها بأنفسهم- وبعد التباسط معهم في الحديث؛ إذا بعديد منهم يرسم بسمة رضى لكونه تعلم مهنة قد تدر عليه رزقاً في المستقبل، وأشاروا لنا –بعفوية- إلى ذلك النقيب الشاب الذي يعاملهم باحترام ورقي، بل كان هو المحفز لكثير منهم في الاستمرار والتعلم وعدم اليأس، وقام أحد السجناء (النزلاء) بالهمس قائلاً: هل تصدق أنّ هذا النقيب يكرمنا باستمرار بمكافآت مالية من حسابه الخاص! عندها أدركت أن (الإنسانية) إن استغلت بشكل صحيح فهي رافد للإصلاح والتقويم والتأثير في نفوس الآخرين حتى لو كانوا مجرمين يؤدون عقوبة.
وما كان من هذا الضابط إلاّ أن وظّف ذلك الجانب في شخصيته الفطرية لدعم الهدف الأساسي الذي هو يعمل من أجله، يقول الطبيب والفيلسوف الألماني ألبرت شفايتزر: غاية الحياة الإنسانية خدمة الآخرين والتعاطف معهم والرغبة في مساعدتهم. ويقول الكاتب الفرنسي إيكسوبيري: ليس هناك من أمل في السعادة إلا في العلاقات الإنسانية.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٨٤٩) صفحة (٥) بتاريخ (٢٦-١٢-٢٠١٦)