محمود عبدالرحمن - خبير تقني وإعلامي، مستشار التسويق والتطوير الإعلامي بجامعة الملك فيصل

محمود عبدالرحمن – خبير تقني وإعلامي، مستشار التسويق والتطوير الإعلامي بجامعة الملك فيصل

لا تدليل تحفيزياً بلا أهداف محققة.. ولا مكاسب بلا ترفيه..
عندما تلتحق بعمل وتعطى لك الحرية المطلقة في الاستمتاع بتفاصيلك الكاملة كما يحلو لك، فتأكد أنك تعمل في بيئة عمل مختلفة كلياً، وعندما تكون للموظف الحرية فيما يرتديه من ملابس أثناء العمل حتى يصل ببعض الموظفين إلى أن يعملوا بملابس النوم -وهو أمر غير مستغرب من أناس يفضل بعضهم النوم في مكتبه الذي جهز بغرفة خاصة لذلك بالرغم من أن إدارة الشركة تشجع الموظفين على الموازنة بين حياتهم الشخصية والعملية- فأنت مؤكد في مكان غريب يشبه الحلم.
لطالما أصبح العمل في مجال تقنية المعلومات الهاجس الذي يعتري كثيراً من الأفراد الطموحين، وعندما تحلم بأن تعمل في مكان يشبه الحلم حيث تجد فيه نفسك وذاتك بعيداً عن الضغوط الإدارية، وبعيداً عن البيروقراطية في العمل، وقتها يكون حلمك قد تحقق عندما تلتحق بالعمل في شركة جوجل بكل تفاصيلها. بمحض الصدفة وأنا أتنقل بين قنوات التلفاز استوقفتني بعض الصور المُتميّزة لمبانٍ وأثاث ومرافق متنوعة ذات ألوان جذّابة، ولما تابعت اكتشفت أني أتابع فيلماً وثائقياً عن شركة جوجل، ولم ينتهِ انتباهي عند تلك الألوان البديعة التي صممت بعناية لتنقل للموظف حالة من الشعور الإبداعي العجيب الذي يجعلهم يركضون نحو أهدافهم الوظيفية لتحقيقها.
إن هذا التميز المكاني الذي تعكسه مقراتهم هو رؤيتهم وتوجههم وطريقة تفكيرهم، فمن الوهلة الأولى تكتشف أنك في عالم مختلف، وحرصهم على أن يُشعِروا الموظفين بأنهم يعملون في بيئة أشبه ببيوتهم، تفاصيل كثيرة تشعرك بمشاعر إنسانية ترسخ داخلك انتماء وتمييزاً في العمل ببيئة جوجل، فهم يسمحون باصطحاب الموظفين الحيوانات الأليفة إلى العمل بشرط ألا تقوم هذه الحيوانات بإزعاج الموظفين وألا تكون لدى أحد الموظفين حساسية تجاهها دون المساس بالموظف أو بحقوقه في الشركة، وعديد من المزايا التي تربط موظفيها إنسانياً وتجعلهم يشعرون بالتكامل ما بين علاقاتهم المجتمعية وعلاقة العمل وكذلك البيئة المحيطة بهم، وغيرها كثير من المميزات الأُخرى التي تجعل الحياة أفضل، لما يتحقق هذا التميز من فراغ، فالعمل لدى جوجل مُتعب وبشكل كبير حسبما صرّح عديد من الموظفين الحاليين والسابقين، فلا يُمكن في أغلب الأوقات الموازنة بين العمل والحياة أو العمل والعائلة، لذا فإن هذه المُشكلة تدفع كثيراً من الموظفين للخروج منها مع وجود نسبة منافسة عالية بشكل لا يُصدّق، فهم يعملون وهم مُدركون أن جميع الموجودين حولهم أذكياء جداً، وهو نوع من الضغط النفسي العالي على الصعيد التقني، فإن مُعظم العاملين في جوجل يرون أنها مُلائمة جداً للعمل، وطبيعة المهام والمشاريع تجعل الموظف جاهزاً ومُتحفّزاً بشكل دائم، وهذا امتياز وسلبية في الوقت نفسه، لكن بشكل عام يرى جميع العاملين في هذا المجال أن العمل في جوجل له مُتعة كبيرة مع وجود بعض السلبيات مثل كثرة المهام، وعدم إمكانية البدء بتنفيذ بعض المشاريع بسبب وجود بعض البيروقراطية داخل الشركة والتسلسل الهرمي، فضلاً عن المنافسة الدائمة بين فرق التطوير.
والربطُ بين تلك الامتيازات العالية والإمكانات المتاحة للموظف ورؤيته بأن عوامل البيئة المحيطة المؤثرة على مسار العمل متميز، وأعباء وكثرة المهام الوظيفية، وارتفاع المنافسة عامل سلبي يؤثر على نفسية الموظفين، ما يدفع تلك الشركات الكبيرة والمهمة في العالم إلى العناية البالغة بموظفيها، وحرصها على راحتهم وتقديم كافة الخدمات التي تسهل لهم أعمالهم وحياتهم، من توفير مساحات للعب والترفيه داخل مقرات العمل، إلى منح الحوافز المالية، وتقديم رحلات السفر في خطوة منها للتأثير إيجاباً على موظفيها وإنتاجيتهم فلا ترفيه بلا مكاسب ولا تدليل تحفيزياً بلا أهداف محققة.
وربطُ بيئة العمل بالإنتاجية من شأنه اعتماد أسلوب التحفيز والترغيب المرتبط بالتقييم الجاد الذي ينظر له كثير من العاملين بكيان جوجل بأنه عوامل سلبية فلا يُمكن اعتبار تلك السلبيات تؤثر على سمعة جوجل، فلا آبل ولا فيسبوك ولا غيرهما من الشركات التقنية الرائدة تخلو من السلبيات تماماً، لذا فإن نقاشات الموظفين على طبيعة العمل وتفاصيل المهام والعبء الوظيفي التنافسي طبيعي جداً.
لكن يكبر الحلم لدي ليجعلني أحلم وأتساءل: متى يُمكننا أن نرى فعلاً هذا الاهتمام بتلك التفاصيل المحفزة في وطننا العربي حتى مع الضغوط لنقدّم وسائل راحة للموظف تجعل حياته أسهل لكي يُركّز على عمله فقط دون أي شيء آخر؟!
لا أعتقد أننا نفتقد الإبداع والموهبة، فالتميز بيننا واضح، والكوادر البشرية المتخصصة متوفرة ومنسية، لنراهم بعد ذلك مضطرين -مع الأسف- لفقد ونسيان تلك المواهب للسعي وراء تأمين الحاجات الأساسية المعيشية التي من المُفترض أن تكون هي من حقوقهم الطبيعية في التبني والدعم!!!

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٨٥٠) صفحة (٨) بتاريخ (٢٧-١٢-٢٠١٦)