تلك اليد التي امتدت لتسحب من الغيمة مهرة لونها، وتأخذ السماء في جيب الحياة.. وحدها تستطيع أن تعيد تشكيل نفسها من خلال العودة لـ «الموطن» وشحذ الطاقة من الهواء النقي، بعيداً عن «تطفلات» الزمن والعابرين في الشوارع بعيونهم الموغلة في التفاصيل. تلك العيون التي تأخذ من طاقة الفرح التي بداخلنا وتحولها إلى شحنات سالبة، وتستمتع كلما شاهدت الذبول فينا؛ لذا علينا الذهاب إلى «روح السماء» بألوانها والنظر إلى قزحية الألوان الماطرة.
ذات فيلم للمخرج مجيد مجيدي بعنوان (ألوان الفردوس The Color of Paradise) استطاع حينها أن يجعل روح الطفل الضرير (حسين) أن يتعرف على الألوان «بروح السماء»، فكانت تتشكل أمامه حسب الرؤية البصرية التي استطاع مجيدي أن يحصد الجوائز العالمية من خلال الألوان الفردوسية، التي جسدها في هذا الفيلم، ولعلها مفتاح للروح التي أحاول تجسيدها في سماء هذه الكتابة.
وقد درجت في بواطن الأساطير على مر العصور والأمكنة تلك الجزئيات الصغيرة في البحث عن «الموطن» داخل الفرد الذي يعتبر دليلاً على الراحة النفسية والاستقرار الداخلي؛ حيث يستطيع من خلالها الولوج إلى عالمه الخاص دون ضجيج، فما كانت أسطورة الفقمة واختطاف جلدها إلا جزءاً من تلك الأرواح التي تتلاشي حينما يحين موعد «العودة» للمحيط وتتأخر، فتبدأ بالذبول والمرض حتى تعود.
بينما حافظت «الدمية» في «حكاية أخرى» على الطفلة، وكانت لها دليلاً في مسيرة قد تطول وتحميها من العيون المتلصصة، والراغبة في وضع نهاية لها، فكانت تقدم لها «المفاتيح» واحداً تلو الآخر للخروج من أزمات غير متوقعة.
من هنا نجد بأن المصالحة الداخلية مع الذات هي المفتاح الأول للولوج في أعماق النفس المتجذرة فينا، ومن خلالها نستطيع استنشاق الهواء النقي بعيداً عن ضجيج الآخرين والدخول في معارك وهمية، تتناسل الواحدة بعد الأخرى وتجعلنا نبتعد عن مساراتنا التي نريد؛ لذا كلما حاولنا الذهاب الى أعماق النفس من خلال التأمل الروحي فيها، نستطيع تفكيك المسارات التي قد تؤلمنا ذات يوم؛ لذا يصبح توقفنا مع الذات أهم من الوقوف مع – الوهم – كي نستطيع استكمال – المتبقي – من وقتنا لمسيرة قد تطول.
بمجرد الجلوس مع الذات ومراجعة أحلامها نستطيع تحقيق البسيط منها، وليس وضع العراقيل أمامها والانصياع لتلك المعوقات التي جعلت بعضنا يتيه في صحراء قاحلة، ويملأ طريقه بأوراق خريفية متعلقة بأغصان تتنظر نسمة هواء باردة كي تسقط، فيجد نفسه أصبح مجرد ورقة تتمايل في الهواء.. لا أرض تحتويها ولا سماء تقبلها، فتذوب وتتحلل في التربة وتكنسها أيدي العابرين من طريقها.
إن التوقف برهة مع الذات أهم بكثير من الذهاب في – طواحين الهواء – وحينها نستطيع التعرف على الألوان الحقيقية التي نزدهر من خلالها، نستطيع رؤية السماء بصفاء مختلف، ونستمتع بكنس أوراق الخريف من طريقنا، والدخول في ربيع العمر دون النظر للوراء. والاستمتاع بألوان الفردوس التي لن نبصرها إلا من خلال نبضات قلوبنا.

عبدالوهاب العريض
اعلامي وكاتب عمل في العديد من الصحف المحلية والعربية، صدرت له مجموعة شعرية بعنوان محبرة تنتحب 2008، بإسنان صاغها… المزيداعلامي وكاتب عمل في العديد من الصحف المحلية والعربية، صدرت له مجموعة شعرية بعنوان محبرة تنتحب 2008، بإسنان صاغها الليل 2015، شارك في العديد من المؤتمرات والمهرجانات العربية والدولية، يعمل حالياً مدير لتحرير القسم الثقافي والرأي في صحيفة الشرق
نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٨٥١) صفحة (٩) بتاريخ (٢٨-١٢-٢٠١٦)