عندما تسقط الورقة الأخيرة من هذه السنة وتعلن تخليها عن غصن شجرة عام مضى وصار يحث خطاه نحو بوابات الرحيل قد يقف كل منا لبرهة ليتذكر أو ليفكر في أحداث متسارعة وتغيرات خطيرة مفرحة ومحزنة كانت تمر خلال أمواج شهور متعاقبة من وقت أطلق أشرعته نحو جداول الغياب فلا ندري هل يجب أن نكون سعداء بمرور عام وحلول عام آخر أم أننا يجب أن نتأقلم مع فكرة أن هذه الدقائق التي مرت هي من أعمارنا المحسوبة في دفاتر السنين وأن علينا أن نقف لنتساءل هل نحن محتاجون للإنصات إلى نصائح الروائية أحلام مستغانمي في مجموعتها «نسيان دوت كوم» أم إننا بحاجة إلى تقصي مجريات الواقع والوقوف على مفارق أمل يمكن أن يضيء من أجندات التفاؤل ومن خيوط الأمل ولا يمكن أن ننكر جميعا كيف استرسل هذا العام في مسيرته سائرا على خطى عامين أو أكثر مستكملا سلسلة الأحداث الجسيمة والمؤلمة التي مرت على عالمنا العربي كنا بوجع فلسطين «واحدة» وصرنا بألف وجع وكنا بقصة لجوء «واحدة» وصرنا بملايين القصص التي نقرتها العصافير من خبز قلوبنا ومن حكايات رصيفنا العربي الراحل إلى القارة العجوز أو إلى مرافئ المجهول الذي صار ينتظر حلم مأوى ولقمة عيش سائغة صارت من المستحيلات التي لا يمكن أن يطويها النسيان أو أن يتجاهلها الجائعون في مواقيت غروبنا الغافي على ناصية حلم كرامة فالجرح هذه المرة لم يكن طفيفا يمكن علاجه بالاستنكار والشجب والخطابات الرنانة الجرح الآن غائر والتاريخ يعرف جيدا أنه يعيد نفسه بقسوة شديدة هذه المرة وأن تقنياتنا الحديثة وأساليب التوثيق الإعلامية والكاميرات التي لا تغادر أيدينا لم تكن حنونة بما يكفي أن تقنعنا ما يجري يندرج تحت طائلة الحقيقة المرة التي صرنا نهرب منها عندما يحين موعد نشرة الأخبار ونحن نكتفي بغض البصر وابتلاع الغصات ما بين عامين أحدهما ينفض ملابسه ليرحل وآخر يهبط من مطارات القدر ليكتب مزيدا من الأحداث التي ندعو الله بأن ترفق بنا وأن تمنحنا فرصة لأن نختار قدر الحياة لا كابوس الفزع المقفر نريد أن نريد! أن نكون ما نريد! وأن نزيح الستارة لتخرج كل الفئران التي عبثت بحكاياتنا البريئة ولوثت حليب أطفالنا نريد أن لا يمر التاريخ على جثث قلوبنا المهملة في شوارع القتلة أن نحترم الواقع ونعيشه بصدق المواجهة لا بخوف النسيان والتجاهل فماذا نريد كي ننقذ آخر رمق في زيتوننا المسافر وأن نستعيد أقدامنا التي خطفتها النوارس ونحن نهرول نحو الفراغ هاربين من البؤس وخيبات الأمل والخيانات القاسية والسقوط المر من الأعالي الشاهقة فيا وطني العربي عليك السلام ومنك السلام نريد أن نرتشف فنجان قهوتنا صباحا وأن ننهي أحاديثنا العابرة بعيدا عن لون الدماء وأن نطل من نوافذ عينيك نحو البناء نريد عاما جديدا لا يدنسه الخونة ولا تقهره المؤامرات ولا يموت فيه الأبرياء ولا يصمت فيه الحق نريد عاما جديدا محفوفا بدعوات المتعبين والمبعدين والمهجرين بصلوات الثكالى كي يصحو فجرنا العربي من سبات الوجع.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٨٥٢) صفحة (٩) بتاريخ (٢٩-١٢-٢٠١٦)