عبدالعزيز محمد الروضان

عبدالعزيز محمد الروضان

عبدالعزيز محمد الروضان

ما من دولة في هذا النسق الدولي الرحب نالت القدح المعلا وكانت حضارتها محط أنظار العالم إلا وكان تعليمها تعليماً متيناً هادفاً يستهدف الإنسان قبل أن يستهدف الآلة في تكوين معلومة مجردة ..أيها السيدات والسادة: دعوني أضيء فكرتي أكثر فأقول – إن أي تعليم مجرد ومعلومة جوفاء تكون على حساب منظومة قيم العنصر البشري، فإن مثل هذا التعليم لن يكون بأي حال من الأحوال عوناً ونصيراً لأي تنمية كانت. إن التعليم الذي يستقطب الإنسان هو ذلك التعليم الذي سوف يسمو بالأمم والشعوب عبر منظومة من الأخلاق والمثل. إن التعليم المجرد والبعيد عن كيان العنصر البشري لن يُفلح وإن كانت له مخرجات مادية، لأن المخرجات المادية لابد أن تسبقها كوابح أخلاقية ومُثل ومبادئ سامية تنأى عن انحراف مخرجات التعليم المادية. إن الإنسان الذي تعطيه معولاً لا بد أن تقول له قبل أن تمكنه من هذا المعول اصنع الصالح وقوض الطالح. إن أي نهضة بشرية كان لها جذور على ظهر هذه الأرض وبقيت سامقة زمناً طويلاً ليس لكونها تنتج ماديات مجردة وحسب، بل لكونها تصعد من سياحة المثل والمبادئ فتسور بهن هذه الماديات. إن أي تعليم يكرس تعليم المعلومة المجردة على حساب المثل والأخلاق فهو تعليم خر عليه السقف من فوقه، وهش لا يصمد أمام الأزمات ومعضلات الأمور . إن التعليم في عالمنا العربي دون استثناء يذكر يتمحور حول إيجاد معلومة مجردة دون أن يحمي حراكها المثل والأخلاق السامية. أيها السيدات والسادة ما هي الفائدة المرجوة من كون مناهج التعليم تعطينا مهندساً بارعاً إلا أنه يغش في عمله! وما فائدة التعليم حينما يخرج لنا قضاة ومعلمين الأمانة مفقودة عندهم !! – وهلم جرا- إن التعليم في دول العالم العربي يوغل أيما إيغال في تقصي معلومات مجردة، وكل هذا وذلك على حساب صقل الإنسان ليواجه الحياة وتقلباتها. أيها السيدات والسادة لكي أدلل لكم على صدق ما ذهبت إليه هو أننا نرى مخرجات التعليم حينما تهبط إلى ميدان الحياة فهي لا تستطيع العيش عيشة سوية، بل نرى النكوص والانهزام والتلاشي عند هذه المخرجات! وكل هذا بغياب منظومة القيم وزرعها في ضمير هذه المخرجات. إنه لمؤسف جداً أننا نرى مناهج دراسية تغوص في عرض المعلومة المجردة كالرياضيات والفيزياء والكيمياء ..وهلم جرا، ولم تستفد حكوماتنا من هذه المعلومات حينما تنزل مخرجات التعليم إلى أرض الواقع العملي! إنه ليتملكني العجب حينما أرى أن دولنا العربية لم تستفد من مخرجات التعليم!! وما بجعبتها من معلومات مجردة. دعوني أضعكم على المحك من وجهة نظري هذه. إن دولنا أحياناً تقوم هياكلها الحكومية بأعمال مضنية وجهود كبيرة من أجل قضية ما وأنه يمكن أن يكفيها من هذه الجهود الكبيرة تطبيق ما أدركته مخرجات التعليم. إني حينما أشاهد مسؤولاً يتكلم عن موضوع في قضية ما فإني أرى كلامه في واد وما تعلمه من مدخلات التعليم في واد آخر! أي أن مدخلات التعليم لم تتماس مع الواقع فيكون تعليمنا ومخرجاته كالمنبت الذي لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى ! إني حينما أتصفح منهجاً دراسياً كالرياضيات مثلاً وأشاهد ذلك الحشو الكثيف والإغراق في معلومات لا يجدها الدارس في حياته اليومية! إني حينما أرى الدارس في المرحلة الابتدائية يُدرس في الرياضيات أرقاماً فلكية وهو لا يلمس في واقعه إلا خمسة أو أقل أو أكثر ! إن مخرجات التعليم تخرج إلى الحياة هشة لا تستطيع أن تصارع الحياة وما فيها من مطبات. إنه ليحزنني أني أشاهد الطلاب يعبثون بمرافق التعليم ويسيئون الأدب فيما بينهم، كل هذا بسبب غياب منظومة القيم عندهم. إن عملية التعليم اليوم مشغولة بأمور لا تمت للحياة بصلة، وإنما عملية التعليم مشغولة بأمور شكلية وفيض من الخطط التكتيكية التي لا تخدم الخطة الاستراتيجية التي أعدت من أجل أن تكون عملية التعليم عملية هادفة لها حصاد. إنه يجب أن تكون عملية التعليم محاكية لخطط التنمية وهياكلها المختلفة. إذاً يجب على محرري المقررات الدراسية الابتعاد عن الحشو الممل الذي لا يرفع رأساً ولا يهدي ضالاً، وأن يركِّزوا على منظومة القيم التي هي وقود العنصر البشري ما كان له نفس في هذه الحياة. وطالما أني أتكلم عن المناهج التعليمية فإنه يجب أن يؤكد على الطالب أن يلم بتلك المعلومات التي تتماس مع ميدان الحياة. إنه من الغريب بمكان أن العملية التعليمية اليوم مشغولة بقشور لا تمت لتنمية البلاد بأي صلة تذكر ! إن المعلم والمعلمة اليوم تتعقبهم صوارف كثيرة عن فحوى العملية التعليمية الهادفة! وأن هذه الصوارف ما هي إلا عبارة عن عبث لا يسمن ولا يغني من جوع . باختصار شديد إن أي تعليم ينأى عن واقع الحياة هو تعليم عقيم لا فائدة ترجى من ورائه .

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٨٥٢) صفحة (٨) بتاريخ (٢٩-١٢-٢٠١٦)