محمد راشد القحطاني

في ظل التحديات الاقتصادية القائمة يتولد لدى كثيرين هاجس من أن يمتد تأثيرها سلبياً على القطاعين الخاص والعام، ومدى مقدرة المؤسسات على الإيفاء بالمستلزمات المالية التشغيلية، وهنا تبرز أهمية المبادرات الفردية والمؤسسية لإعادة النظر في مدى فاعلية الأنظمة الداخلية في إدارة الميزانية. وقد يتبادر لذهن كثيرين أن أفضل وأسرع طريقة لمجابهة هذه الأزمة هي تقليص النفقات (مثل: تسريح بعض الموظفين، تقليص الدورات التدريبية، النثريات، البدلات… إلخ)! ولكن قد لا يكون هذا هو الحل الأمثل.
ومن هنا أود أن أشرح أحد مبادئ الإدارة التشغيلية (Operation Management) وهو مبدأ التصنيع المرن أو الرشيق (Lean Manufacturing). وأول من استحدث هذا المبدأ هو شركة تويوتا، حيث كان إحدى الركائز التي جعلت منها شركة عملاقة وربحية. وقد كُتب عنه كثير من المقالات والبحوث والكتب، لعل أشهرها كتاب The Machine that Changed the World. وجوهر هذا المبدأ هو «الاستخدام الأمثل لجميع الموارد المتوفرة بفاعلية بما يكفل تزويد العملاء بالمنتجات أو الخدمات المراد تقديمها عن طريق إزالة الهدر أو المخرجات غير المرغوب فيها».
وينقسم أنواع الهدر المطلوب إزالته إلى:
1. الإنتاج الفائض عن الحاجة: هل تنتج أكثر من طلب المستهلكين؟
2. المخزون: هل يتم تخزين العدد الأمثل من المواد بما يكفل الموازنة بين مواصلة عمليات التشغيل من جهة ومصاريف المشتريات وتكلفة التخزين من جهة أخرى؟
3. أوقات الانتظار للإنتاج: كم تأخر الوقت بين عمليات الإنتاج؟ وهل الوقت المستخدم للإنتاج أو تقديم الخدمة منطقي؟ ما المؤثرات التي تؤثرعلى التأخير وكيف يمكن تلافيها أو تقليصها؟
4. الحركة: هل يتحرك الأشخاص أو المعدات بشكل غير مفيد؟ كيف يمكن تقليص الحركة بما يكفل تقديم الخدمة أو تصنيع المنتج في وقت أقل؟
5. النقل: هل يتم نقل المواد بكفاءة (مثال: وقت التوصيل، كمية المواد، نوع وعدد المركبات، عدد السائقين، استهلاك المحروقات)؟
6. إعادة الأعمال: هل يتم تصنيع جميع المنتجات أو تقديم الخدمات بطريقة صحيحة من المرة الأولى أم تعاد؟ وكيف يتم تلافي الإعادة في المستقبل؟
7. المعالجة الزائدة: هل يتم العمل عدة مرات على نفس المنتج أو الخدمة من غير داعٍ؟ هل تكون هناك منتجات تالفة؟ كم تقضي من الوقت لإصلاح المنتجات التالفة؟ كيف يتم إنهاء المطلوب بأقل فترة ممكنة وبطريقة صحيحة من المرة الأولى؟
ويجب أن ينتبه القارئ الكريم إلى أن هذا الهدر يوجد على سبيل المثال لا الحصر في المؤسسات الإنتاجية مثل المصانع، أو في الإدارات الحكومية مثل الوزارات، أو في المؤسسات الخدمية مثل المكاتب الهندسية. وتكمن فوائد تطبيق هذا المبدأ على المنشأة في تحسين مستويات الجودة، وزيادة الإنتاج، والمرونة في التغيير، والاستفادة من مساحة العمل، كما يؤدي إلى إيجاد بيئة عمل محفزة تعمل على تقليص النفقات بعد إزالة مسببات الهدر والاستخدام الأمثل لجميع الموارد بما يكفل زيادة الأرباح أو على الأقل تقليل الخسائر.
لذا أود أن أقترح على كل مسؤول في جميع الجهات الحكومية أو الخاصة أن يبادر بتعيين فريق عمل يتناسب مع حجم المنشأة لمراجعة أداء مؤسسته وسيجد أنه يستطيع تلافي كثير من أنواع ومسببات الهدر.
لديّ إيمان كامل بأن كل ما نحتاجه لتحسين أداء القطاعين الخاص والعام لمجابهة التحديات الاقتصادية وتحقيق الرؤية الوطنية 2030، هو الثقة بالله سبحانه ثم بشباب وشابات هذا الوطن من المتميزين. لسنا بحاجة إلى أشخاص ذوي خبرة طويلة، ولا إلى استشاريين سواء كانوا وطنيين أو أجانب، ولا نحتاج إلى زيارات كثيرة لدول أخرى لمعرفة ما نريد أن نتخذه. لدينا كل ما نحتاج، أبناء وبنات الوطن المتعلمون في أرقى جامعات العالم الذين لديهم الحماس والإصرار والالتزام للمشاركة الإيجابية في شتى نواحي الحياة. أعطوهم الثقة والفرصة وستجدون ما يبهركم ويبهر العالم.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٨٥٣) صفحة (٨) بتاريخ (٣٠-١٢-٢٠١٦)