د. خالد الخميس

ماذا لو كنت الوحيد في العالم الذي يلبس النظارة؟
لو كنت أنت الوحيد في العالم من يلبس النظارة لنظرت لنفسك بمنظار مختلف عما أنت عليه الآن، باعتبارك أنت الإنسان الشاذ في العالم من لا يرى جيداً دون جهاز النظارات. لو أنك أنت الوحيد في العالم من يلبس النظارات لما قبلك أرباب العمل أن تعمل لديهم في كثير من الوظائف كونهم يغلبون احتمالية أضرار فقدك لنظارتك ويجعلونها معياراً لعدم كفاءتك في العمل، ولربما استصدروا قراراً بعدم السماح لك بأخذ رخصة القيادة مغبة أن تسقط نظارتك وأنت تقود سيارتك وقاسوك على من هم مصابون بالصرع الممنوعين من رخصة قيادة السيارة. لو أنك أنت الوحيد في العالم من يلبس النظارة لسلّط الناس عليك اهتمامهم وعطفهم وربما سخريتهم ولعانيت أشد المعاناة ولربما أدى ذلك لشعورك بالدونية والاكتئاب والانعزال ولتمنيت الموت أو الانتحار على البقاء حيّاً.
هكذا يدفع الشعور بالاختلاف عن غيرنا من الناس إلى مشاعر شاطحة عما هو معتاد، وهكذا تؤدي معاملة الناس نحوك إلى إيجاد رؤية مضطربة عن نفسك.
الحقيقة أنك «أنت هو أنت» ذلك الشخص الذي يلبس نظارة وأن ما يجعل من «أنت» كائناً شاذّاً هو نظرتك لنفسك التي برمجت بحسب اعتقاد الناس فيك وتصديقك لاعتقادهم.
ما يقال عن شذوذك عن العالم في لبس النظارة يقال عن أي أمر آخر يتخذ صفة الشذوذية كالإعاقات والأمراض المزمنة والاضطرابات النفسية.
ما يقال عن شذوذك بلبس النظارة يقال عمن هم مضطربون نفسيّاً، فالمكتئب يرى أنه الوحيد في العالم من يشعر بمشاعر الضيق والاكتئاب، كذلك القَلِق يرى أنه الوحيد في العالم من تنتابه مشاعر التوتر والخوف. إن الشعور بالوحدوية أو الشذوذ هو من يؤدي لتعميق معاناتك.
في المقابل، لو أن أي صفة شاذة أصبحت هي السمة الغالبة، لتغيرت كثير من المعادلات المجتمعية، فعلى سبيل المثال لو أن المصابين بالبهاق كانوا هم الأكثرية لأصبح البهاق سمة من سمات الجمال ولربما تفلسف من يدعي فَهْم معايير الجمال بأن الجمال لا يكمل إلا بوجود بقعة البهاق على العينين أو الخدين.
أعجبني فيما أعجبني شعار رفعته جمعيات المعاقين «لست وحدك you are no alone» هدفه إشعار تلك الشريحة أنهم مجتمع متكامل له خصائص مشتركة. وأعجبني أكثر عندما قامت جمعيات المعاقين حركيّاً بحملة «جربها» التي هدفها تغيير نظرة الناس عن شذوذ مستخدمي الكراسي المتحركة فطلبوا من الأسوياء أن يركبوا الكرسي المتحرك والمشي من خلاله كي تبقى صورة المشي عبر الكرسي المتحرك أمراً اعتياديّاً وليس خاصّاً بالمعاقين أو كبار السن.
وأعجبني أكثر وجود تجمعات عدة في التواصل الاجتماعي، كل تجمع يشترك فيه شريحة لها معاناتها الخاصة يشارك كل فرد بتفاصيل معاناته لتمنح هذا المشاركات مادة لتخفيف المعاناة عن أفراد تلك الشريحة، فعلى سبيل المثال هنالك تجمعات خاصة بالمكتئبين وثنائي القطب والوسواس القهري وغيرها، هدفها الأول ليس البحث عن علاجات وإنما لمشاركة المعاناة ليشعر كل فرد من أفراد تلك الشريحة أنه ليس وحده وأنه جزء من مجتمع كبير أفراده لهم نفس الخصائص.
أخيراً.. تذكر أن أية مصيبة تلم بك فإن ما يضاعف ألمها هو شعورك بأنك «أنت وحدك»، وتذكر أيضاً أن شعورك بالوحدة هو أمر لا يصنعه الناس حولك إلا بعدما تصنعه أنت داخل نفسك.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٨٥٣) صفحة (٨) بتاريخ (٣٠-١٢-٢٠١٦)