محمد عبدالله الرويلي

أنا مِهَني أنتمي لجيل الكادحين من الطلاب الشماليين الذين كان لزاماً عليهم الارتحال للعاصمة الرياض أو الدمام أو جدة لإكمال الحلم بالدراسة الجامعية؛ حيث لم يكن ثمة أي جامعة في الشمال السعودي الفسيح من شرقه إلى غربه ومن وسطه إلى أقصاه!.
كان مجرد الحصول على قبول جامعي يعد أمراً صعباً فكيف باختيار ما تريد من التخصصات الطبية النادرة في ذلك الوقت في ظل التنافس الكبير على المقاعد المحدودة على مستوى المملكة. هذا بخلاف أن الواسطة كانت وما زالت تلعب دوراً كبيراً في اختيار الدارسين مع الأسف رغم وفرة الوظائف وحاجة سوق العمل في ذلك الوقت!.
ما علينا ـ كما يقال ـ وتلك أيام مضت بخيرها وشرها وذكرياتها الجميلة والتعيسة. الذي يعنينا الآن هو زمن الطفرة في الجامعات السعودية التي أصبحت في كل منطقة ولله الحمد، وأصبح الطالب السعودي حالياً في الشمال والجنوب محظوظاً ومدللاً في الدراسة بالقرب من عائلته، وتقريباً حرّاً في اختيار ما يريد، فقط يحتاج لهمة وإرادة ذاتية للدراسة لا غير وهو أمر رائع بلا شك.
ولأن المشكلات لا تنتهي بل تتشعب وتتجدد بسبب سوء التخطيط، فإن المشكلة التي نعاني منها الآن هي على النقيض من مشكلات الماضي وهي الإغراق!.
والإغراق مشكلة ليست بالجديدة لكنها الآن تبرز بشكل واضح للعيان، ولا أدري هل يشعر بها المهتمون والمعنيون بالأمر أم ستترك حتى تصبح عسيرة وقاتمة للأجيال المقبلة من الشباب الباحث عن الوظائف!.
سأتجاوز مشكلات إغراق تكررت في الماضي مثل معاهد المعلمين أو معاهد التمريض الخاصة التي أغرقت السوق السعودي بالتخصصات الصحية الرديئة التي احتلت كل الوظائف تاركة الشباب الجامعيين للبطالة وسأقفز لمثال حي وناجز على هذه السياسة التعيسة وهي سياسة الإغراق التي تشترك فيها وزارة التعليم ممثلة في الجامعات السعودية مع وزارة الصحة والخدمة المدنية بسبب افتقاد عناصر التخطيط والتعاون والتنسيق فيما بينهم.
المثال الذي سأضربه وأكتفي به هو مهنة العلاج الطبيعي التي أنتمي إليها وقد كان تخصص العلاج الطبيعي لسنوات قليلة ماضية تخصصاً نادراً ومطلوباً بشدة في سوق العمل خاصة في مدن الأطراف بسبب قلة المخرجات؛ إذ لا يوجد إلا كلية واحدة فقط في السعودية تخرج هذا التخصص وهي كلية العلوم الطبية في جامعة الملك سعود وبأعداد قليلة.. ثم افتتحت كليات أخرى في الدمام وجدة لاستيعاب أعداد أكبر وكان هذا أمراً إيجابيّاً يحمد نظراً لندرة التخصص وحاجة السوق.. وهذا التوسع المحدود أدى لاكتفاء بعض المدن الكبيرة فقط وبقيت الأطراف بحاجة ماسة لهذا التخصص.
لكن في ظل طفرة الجامعات التي لا شك أنها كانت مطلباً ملحّاً وإنجازاً فريداً لحقبة الملك عبدالله ـ رحمه الله ـ افتتحت كليات طبية ومهنية متخصصة وكان منها تخصص العلاج الطبيعي الذي أصبح متوفراً في كل المناطق تقريباً في جيزان ونجران وعسير وحائل والجوف وتبوك والمجمعة والخرج وغيرها!.
كل هذه الجامعات الناشئة مع الجامعات السابقة في المناطق الكبيرة أصبحت تخرج عدداً كبيراً من اختصاصيّي العلاج الطبيعي وفي سنوات معدودة أغرق سوق العمل بهؤلاء الاختصاصيين بوتيرة متسارعة!.
وبعيداً عن مناقشة عامل الجودة والتمكن لهؤلاء الخريجين من الجامعات الناشئة التي استعجلت في استحداث هذه التخصصات واهتمت بالكم على ما يبدو مع إهمال واضح للكيف بدليل أنها التي لم توفر حتى مباني حكومية مجهزة وإنما وفرت مباني مستأجرة قد تفتقد كثيراً من الوسائل التعليمية لهذه المهن المهمة!. وقد حدث ما هو متوقع من الإغراق والتكدس حيث امتلأ سوق العمل بهؤلاء الخريجين من مختلف المناطق وتقريباً لم يعد هناك أي وظيفة شاغرة لتخصص العلاج الطبيعي بسبب الوفرة في سنوات معدودة!.
الغريب في الأمر هو أنه لا يوجد التفات أو انتباه لهذه المشكلة بل الغريب أن جامعة الجوف على سبيل المثال بدلاً من أن تفكر في إغلاق القسم مؤقتاً فقد قامت بافتتاح قسم آخر للعلاج الطبيعي في محافظة القريات المجاورة!!.
وهي محافظة صغيرة مقارنة بسكاكا، وكلية الجوف تقريباً غطت كل المدن المجاورة لها كعرعر وطريف ورفحاء وطبرجل والقريات وأغرقت المستشفيات من حولها بخريجيها. والمشكلة الأخرى أن نسبة كبيرة من الخريجين من مدينة سكاكا ويعملون في مدن مجاورة ويريدون العودة لمدينتهم التي أُتخمت بالاختصاصيين!!
وقريباً منها تقبع أيضاً جامعة حائل التي تعاني من نفس المشكلة!. هذا يجرني للحديث عما حصل في جامعة الحدود الشمالية التي حتى الآن لم تفتتح قسماً للعلاج الطبيعي وهو أمر محمود لكن أخشى أنها تخطط لذلك دون رؤية ودراسة للواقع المهني السعودي لكنها ارتكبت خطأً مماثلاً حينما افتتحت كلية صيدلة للبنات في محافظة رفحا الصغيرة نسبيّاً وبسبب ذلك أصبحت كل فتيات رفحاء صيدلانيات!!. فالمدينة سيكفيها دفعة واحدة لتغطي احتياج المدينة وقراها ثم ماذا بعد ذلك!. فالبنات من رفحاء لا يردن الذهاب لمدن أخرى للعمل!.
لربما هنا يحار القارئ الكريم ولا ألومه وربما ينتقد هذا الطرح ويتساءل: هل تريد أن تمنع الوظائف على الناس أو ربما قائل يقول إن طرحك تشاؤمي يدعو للإحباط ولم تطرح حلولاً لذلك!. وهذا ما سأطرحه في الجزء الثاني من المقال.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٨٥٤) صفحة (٨) بتاريخ (٣١-١٢-٢٠١٦)