أصبح الدفاع عن الوطن وقضاياه عند بعضهم مسبة يُعيّر بها الوطنيون، بينما الدفاع عن جماعة مّا أو التعاطف مع دولة مناصرة لتلك الجماعة يعتبر نضالا ومفخرة!! استبدل الوطن بجماعة دينية مسيّسة تعمل على تزييف الوعي للوصول لأهداف سياسية وسلطوية؛ عندها لا نستغرب من سيد قطب حين يقول (ما الوطن إلا حفنة تراب عفن)، في مقابل أنّ الفيلسوف الفرنسي فولتير يقول (خبز الوطن خير من كعك الغربة).
ولكن المشكلة الأكثر غرابة تمثلت في ربط الوطنية والإنسانية بالتغريب! والاستماتة في شرعنة هذا المفهوم وتعميق جذوره التاريخية بأوهام المهووسين بالأممية والخلافة، ففي كتاب (الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة) من منشورات الندوة العالمية للشباب الإسلامي – وهي مؤسسة خيرية سعودية – ورد في الحديث عن (التغريب) التشويه المبطن لمفهومي الوطنية والإنسانية في عدة مواضع ملغومة، ففي البداية تم تعريف التغريب على أنه (تيار فكري كبير ذو أبعاد سياسية واجتماعية وثقافية وفنية، يرمي إلى صبغ حياة الأمم بعامة، والمسلمين بخاصة، بالأسلوب الغربي)، وجاء في الحديث عن أفكار ومعتقدات التغريب ما نصه (الدعوة إلى الوطنية ودراسة التاريخ القديم والدعوة إلى الحرية باعتبارها أساس نهضة الأمة). وجاء أيضاً (نشر فكرة العالمية والإنسانية التي يزعم أصحابها بأن ذلك هو السبيل إلى جمع الناس على مذهب واحد تزول معه الخلافات الدينية والعنصرية لإحلال السلام في العالم، ولتصبح الأرض وطناً واحداً يدين بدين واحد ويتكلم بلغة واحدة وثقافة مشتركة، بغية تذويب الفكر الإسلامي واحتوائه في بوتقة الأقوياء المسيطرين أصحاب النفوذ العالمي).
ومما ورد أيضاً في أفكار ومعتقدات التغريب ما نصه (نشر المذاهب الهدامة كالفرويدية، والداروينية، والماركسية، والقول بتطور الأخلاق – ليفي بريل – وبتطور المجتمع – دور كايم – والتركيز على الفكر الوجودي والعلماني، والتحرري، والدراسات عن التصوف الإسلامي، والدعوة إلى القومية والإقليمية والوطنية، والفصل بين الدين والمجتمع، وحملة الانتقاص من الدين، ومهاجمة القرآن والنبوة والوحي والتاريخ الإسلامي).
هذه وقفة لمراجعة وتمحيص الإنتاج العلمي الحزبي في بلادنا، الذي يعمل على إذابة وشيطنة مفهوم الوطنية وخلق جيل بلا هوية وطنية، ولنعلم أنه لا حياة إنسانية دون وطن، ولا وجود إنساني اًدون وطن.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٨٥٦) صفحة (٩) بتاريخ (٠٢-٠١-٢٠١٧)