مع سقوط التيارات السياسية (القومية واليسارية) نهاية العقد السابع من القرن العشرين في منطقة الشرق الأوسط بعد تكشف كثير من البنى الاستعمارية التي وقفت في دعم خططها المشمولة برؤى خارجية، تنامى التيار الديني عوضاً عن تلك التيارات التي فشلت دول الاستعمار في ترويج بنيتها في الدول المستقرة، ولكنها بقيت في أنظمة تهاوت فيما بعد مثل (العراق وسوريا) حيث كشف القومية العربية عن زيفها العروبي وتلبست أثواباً مختلفة وصولاً للحالة الدينية التي تنامت مع مطلع الثمانينيات بسبب قيام ما يسمى بالثورة الإسلامية في إيران، والتي جاءت بعد نظام إمبراطوري يُعد في هذا الوقت متقدماً كثيراً على (الجمهورية الإسلامية الإيرانية)، التي عمدت منذ اندلاعها على زعزعة المنطقة وتنامي الخطاب الطائفي بشعارات كانت أول من حرقها بعد أن تمكنت من الوصول إلى مبتغاها.
عانى الشرق الأوسط خلال الأربعة عقود الماضية ويلات الزراعة الطائفية والعنصرية بين الدول، فكانت إيران تحاول طيلة الفترة الماضية تحريض الطوائف على بعضها، فتقوم بقمع الأهوازيين وتمنعهم من ممارسة حرياتهم الدينية، بينما تقوم هي بتصدير ثورتها على الدول كي تمد نفوذها للمنطقة بشكل أكبر، حتى زرعت كثيراً من الأحقاد الطائفية بين الدول منها (لبنان، اليمن، سوريا والعراق). نلاحظ منذ بداية اندلاع ثورتها في 1978م اختفى رجال الدين المعتدلين في لبنان، بعضهم خطفاً وآخرين قسراً أو مستبعدين كما حدث مع العلامة السيد محمد حسين فضل الله، وأبقوا على رجال الدين المنفذين للأجندة الفارسية في منطقة الشرق الأوسط ومدوا ذراع حزب الله في الدول التي يريدون إثارة الطائفية والنزاع الإقليمي بداخلها ليكون لهم ذراع عسكرية يتم تمويلها ودعمها كأي منظمة إرهابية من قبل دولة خارجية.
وفي اليمن قاموا بحشد قواتهم وتعاونهم مع الحوثي والرئيس المخلوع علي عبدالله صالح ليحولوا اليمن لدولة طائفية بعدما كانت دولة متقدمة في الرؤى والفكر بين جنوبها وتوحد شمالها، وكانت مهيأة لتكون دولة ذات طابع فكري ثقافي يحمل نسيج وعبق التاريخ والحضارة، ولكن الذراع الإيرانية حولها لساحة معارك بين الحكومة المنتخبة والانقلابيين الذين مولتهم بالسلاح كي يكون لها منفذ بحري وذراع عسكرية أخرى.
وما نراه اليوم يحدث في العراق بعد إسقاط صدام حسين، حيث قام الأمريكيون بتقديم العراق مكافأة للتعاون الإيراني معهم في القضايا السرية وغير المعلنة، وهذا ما جعل أعوانهم يصعدون إلى سدة الحكم ويسيطرون على مفاصل الدولة ويصنعون الطائفية الجديدة التي جاءت برؤى فارسية خلال العشر سنوات الماضية، فتم تغذية الإعلام بتلك القنوات الطائفية وسمحت لتيارات أخرى بالصعود لمسرح القتال في العراق كي تكون بؤرة توتر جديدة كما يحدث اليوم.
لقد أصبحت الدولة الفارسية مكشوفة في مخططاتها التي قادتها في سوريا والعراق ولبنان واليمن، وأصبحت الشعوب العربية أكثر وعياً بأن ما يحدث هو صراع سياسي بثوب طائفي، وهذا ما يستوجب معالجة فكرية وتوضيحية لهذا الفكر الذي أصبح مثل السرطان في جسد الشرق الأوسط.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٨٥٨) صفحة (٩) بتاريخ (٠٤-٠١-٢٠١٧)