في مقال سابق بعنوان «متاجرة الآباء بالأبناء..»، الذي نشر بتاريخ (06 -02- 2015) في صحيفة «الشرق» المطبوعة، العدد رقم (1160)، صفحة (11)، ذكرت أن وجود دول ومنظمات تحارب الاتجار بالبشر وتعاقب عليه جعل من الاتجار يأخذ عدة صور وأشكال أخرى ومتنوعة، وذلك حسبما تقتضيه مصالح التجار. وأن المهتمين والمختصين بهذا الشأن يُعرفونه بضرب من المثال أو بإحدى صوره أو بحسب ما هو موجود في الوقت الراهن، وإن كانت هناك قاعدة تندرج تحتها عدة صور وأشكال، إلا أنها في الغالب ليست معياراً يتفق عليه جميع فئات المجتمع الواحد فضلاً عن بقية الأمم والشعوب. ومن الصور التي ذكرتها في المقال السابق هي اتجار الآباء بالأبناء من خلال التسول، وفي هذه الصورة وإن كان التسول يسترُ الاتجار بملاءته، إلا أنه مع التدقيق يظهر الاتجار جلياً. مؤخراً ظهرت صورة أخرى من صور الاتجار لا تقل خطورة عن الصورة الأولى وإن كان البعض لا يتنبه لها إلا إذا نبه، وتتجلى أكثر عند النظر فيما قد يترتب عليها وتؤول إليه من سلبيات ملموسة تمس جانب الضحية.
ظاهرة «المودلز» وهي عبارة عن الطفلة العارضة التي يتم تعيينها لعرض إعلان ترويجي لمنتجات تجارية خصوصاً أزياء الموضة وغيرها. لو تأملنا ما فيها من سلبيات، تتمثل أن الطفلة تتربى على حب الشهرة والمال والأضواء مما قد يسبب لها الضرر من الناحية الشخصية، فقد تتولد لديها النرجسية في الشخصية التي هي حب للنفس مع اضطراب في الشخصية تتميز بالغرور والتعالي ومحاولة الكسب ولو على حساب الآخرين، ما يجعلها ترى نفسها أنها الأفضل والأجمل والأمثل، فلا تتخيل ولا تتوقع في وقت أن تكون الخاسرة بين قريناتها.. حتى إذا كبرت وناهزت الحلم، مُنعت بحجة العيب وعدم تقبل المجتمع له، فيتولد لديها أثر آخر من آثار انفصام الشخصية.
كما أنها تحرم من أجمل لحظات حياتها وهي براءة الطفولة والعفوية المغروسة في كل طفل فيرى الوالدان أنها يجب أن تكون كاملة في طلتها، حريصة على أناقتها، حذرة في تصرفاتها، منتبهة لما تقوله أو تقوم به من أدوار، على الرغم من صغر سنها، ومع الوقت يتولد لديها نوع من أنواع الاكتئاب والعزلة حتى ترتقي في درجات المرض النفسي. وبعد كل هذا هل من المتوقع أن يكون وقتها لها ولدراستها وتركيزها في المواد؟! بالتأكيد ليس لها بل لغيرها، فلا مكان ولا وقت للعلم أو اللعب وبراءة الطفولة وجمالها، فاستغلال وقت الطفلة من قبل الآباء تجارة ليست بالمعنى الصوري بل هي تجارة حقيقية ينتج عنها ربح مادي وخسارة معنوية وجسدية لهذه الطفلة، فوقت للتصوير ووقت للإعلانات ووقت للعروض والرقص.. الخ.
ناهيك عن صبغات الشعر للأطفال! والمكياج وتوابعه ومعالجة شعرهن حتى تكون في أبهى حلة وأجمل طلة، وضرر هذه الأشياء على الكبار واضح وملموس فكيف بطفلة صغيرة؟!
لا أعلم أي وعي أو إدراك أو عقل لدى الوالدين يسمح لهم بالمتاجرة بطفلتهم عبر هذه البرامج في كل مناسبة وحفل وافتتاح ومهرجان، وإن من أشد ما يدمي القلب أن تجد إعلاناً مكتوباً عليه «مطلوب أطفال مودلز من الجنسين للإعلانات التجارية» وكأنهم سلعة مسلوبة الإنسانية والإرادة ومنزوعٌ منها روح الحياة، فهل بعد هذا يشك عاقل في هذا النوع من الاتجار الحديث بالأبرياء؟!

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٨٦٠) صفحة (٩) بتاريخ (٠٦-٠١-٢٠١٧)