علياء الموسوي

علياء الموسوي

كل فرد فينا في داخله شاعر متمرد على ما حوله ومن حوله، يريد أن يبث ما فيه من ألم وحزن وفرح وابتهاج، جميعنا بطبيعة الحال تمر علينا أوقات نحتاج لأن نكتب عن أنفسنا ونتحدث وإن اختلفت الوسيلة والهدف من ذلك، فكل واحد فينا هو عبارة عن كتلة من المشاعر تتفاعل وتحس، وفي اعتقادي أنه لا يوجد إنسان على وجه الكرة الأرضية لم ينجذب يوما إلى قلم وورقة، أو لم يراوده إحساس الكتابة، وحتى إن كان الأمر اعتياديا والحدث شيء لا يستحق الذكر.
الكتابة تعتبر المهنة الأكثر شقاء وتعباً في تاريخ كل كاتب، فهو يضني جل وقته وهو يكتب أفضل ما يملك من مشاعر وأحاسيس وأسلوب أدبي ومعجم لغوي ذائق حتى يصل إلى نص يرضى عنه بينه وبين قرارة نفسه، طبعا بعدما تعرض هذا النص إلى كثير من الضجيج لاسيما إذا كان الكاتب يمر بتقلبات نفسية واجتماعية وأسرية تؤثر عليه، فتجعله يتراجع عما كتبه أو يحذفه بالكامل، حتى وإن تجاوز آلاف الصفحات؛ حيث إن الربح المادي لكل إصدار في أزمة وتذبدب على الدوام، بالفعل شيء متعب حقًا.
اليوم تجد عديداً من العناوين المصنفة في خانة الأدب تتوالد بشكل سنوي في معرض الكتاب الدولي سواء أكان شعراً أو رواية أو قصصاً قصيرة، ولا أحد ينكر الأسعار التي هي في ارتفاع مستمر ومع الأسف الشديد فإنك مجرد ما تتصفح وريقات هذه الكتب تجدها مجرد أسطر لا معنى ولا قيمة لها في اللغة العربية، وسرعان ما يصيبك الإحباط منها، ناهيك عن وجود كثير من الأخطاء اللغوية التي لا تغفر، والأسلوب الأدبي الذي لا يفهم ولا يمت بصلة إلى أي مدرسة أدبية عريقة، أين التدقيق اللغوي والرقابة في كل بلد؟ يا ترى لِمَ كل هذه البهرجة؟ لِمَ كل هذا الزخم؟
إلى ذلك، حين تسأل دور النشر حول هذا التخبط الواضح تردد أسطوانتها المعتادة «نحن نتكفل بتبني الأقلام الشابة». شيء طيب ورائع، ولكن أليس الأجدر أن تجعل القلم يختبر مرة ومرتين إلى أن ينجح بل أن يتفوق؟ لم لا تنشئ دورات تدريبية في هذا المجال من قبل دور النشر وتستثمر هذه الأموال في هذه الدورات؟، أليس من الأولى أن توفر البيئة الخصبة أولا؟ الجميع يعرف الغرض الأول الربح المادي لا غير، وإن قال أحد ما غير ذلك، فسأقول له ما سر الطبعات السابعة والثامنة والأغلفة الجذابة؟
في حديث صحفي قرأته، أجري مع أحد الأقلام الشابة، حول المدة التي استغرقتها في كتابة روايتها الأولى التي تتكون من مائتي صفحة، قالت إنها استغرقت في كتابة الرواية شهرين فقط مع التزاماتها الجامعية والأسرية!، في المقابل استغرق الكاتب العالمي المعروف جابرييل ماركيز عشر سنوات كاملة في كتابة روايته «خريف البطريرك» انتقالا بين إسبانيا وبلدان الكاريبي، وذلك حتى يبتكر شخصيات جديدة ملهمة من كل ما قرأه، بالإضافة إلى الكاتبة المرموقة إيزابيل الليندي التي كانت ترفض أن يذهب نصها المترجم إلى النشر قبل أن ترجع إلى القاموس اللغوي وتتأكد من صحة كل مفردة وهل هي في مكانها الصحيح أم لا، وإن استغرق الأمر سنين عديدة.
حسنا، أنا لست بسيبويه ولا المتنبي ولا النابغة الذبياني، أنا مجرد قارئة بسيطة في هذا المجال، وحديثي في هذه المرة ليس من باب الاستعلاء والازدراء على أي موهبة مدفونة أو واضحة، ولكني أقول هذه المرة اقرأ ثم اقرأ ثم اقرأ ثم اكتب، وكما قال الكاتب محمد الماغوط «ما الفائدة من أن تكون قادراً على كتابة أي شيء في هذا العالم، ولست قادراً على تغيير أي شيء في هذا العالم».

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٨٦١) صفحة (٦) بتاريخ (٠٧-٠١-٢٠١٧)