عبدالله العطيش

عبدالله العطيش

قال تعالى «فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ» صدق الله العظيم.
هذا ما أنزله الله العلي القدير على نبينا، العفو والرحمة، فترويض النفس على خلق السماحة والعفو والصفح هو أسمى تعاليم الدين الإسلامي وجزاؤه عند الله ليس عند عبد من عباده، فما أحوجنا للعفو!، والتسامح يجعلنا ننسى الماضي بكامل إرادتنا لنتخذ حينها القرار بألا نعاني أكثر من ذلك وأن نعالج القلب والروح، إنه الاختيار ألا تجد قيمة للكره أو الغضب، وإنه التخلي عن الرغبة في إيذاء الآخرين بسبب شيء قد حدث في الماضي، إنه الرغبة في أن نفتح أعيننا على مزايا الآخرين بدلاً من عيوبهم.
كلنا أهلٌ للخطأ فليس لبشر أن يكون معصوماً منه، وجميعنا نحتاج إلى من يصفح ويعفو عنا، فتلك هي تعاليم الدين الإسلامي، ولعلني أذكركم بحديث النبي «أفضل أخلاق أهل الدنيا والآخرة أن تصل من قطعك وتعطي من حرمك وتعفو عمن ظلمك»، وقال عليه الصلاة والسلام «وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزّاً»، إنها شهادة من الرسول الكريم فالعفو لا يزيد المرء غلّاً بل عزّاً؛ فهو يعفو وهو قادر على رد الصاع صاعين، ولكنه يعفو ليلتمس وينتظر الأجر من عند الله لا من أحد آخر.
ما أعظم أن تكون قادراً ومع ذلك تعفو وتصفح، ذلك هو العفو عند المقدرة، فلسنا أفضل من النبي الذي دخل مكة بعشرة آلاف مقاتل، ومع ذلك عفا عن الجميع، تلك هي الرسالة، الرسالة التي تركها النبي ليورثها المسلمين، رسالة العفو، رسالة التسامح، رسالة الله لنبيه فهو الله «العفو القدير» فمن نحن يا مسلمين حتى لا نعفو ونسامح لوجه الله؟.
جاء ديننا كي يثير في الإنسانية عوامل الخير ويلتقي بها في عملية استثارة واستثمار، بدلاً من عوامل الشر التي تهدم ولا تبني وتضر ولا تنفع وتدفعه في الوقت نفسه إلى أن يجعل اختيار الأحسن في كل شيء وفي كل جانب من حياته شعاره الذي يرفعه في كل مكان وزمان، تلك هي المنظومة الإسلامية التي من المفترض اتباعها، فنحن في أرض الوحي ونحن أول من اتبع نبينا محمداً، ونحن في الأرض التي أنزل فيها القرآن على نبيه، وأعيدها ثانيةً: من نحن كي لا نرحم ولا نسامح؟ فرب الكون من أسمائه العفو القدير.
إن وحدتنا الوطنية اليوم لهي في أمسِّ الحاجة إلى غرس القيم والتسامح، فالتسامح والعفو هما الجسر الأمين لإعادة تنظيم علاقاتنا ببعضنا البعض، وهما التربة الخصبة التي تملأ الدنيا بالخير الوفير، فالعفو هو خلق الأقوياء الذين إذا قدروا وأمكنهم الله ممن أساء إليهم عفوا.
إن رسالتي ليست بجديدة بل رسالة جاء بها الإسلام وتعاليمه السامية، ولعلني وددت أن أذكركم فنحن أحق بتطبيق الإسلام وتعاليمه على أنفسنا، فهي بلاد الحرمين الشريفين، فأدعوكم للعفو الذي يداوي القلوب المكلومة، ويجذب النفوس النافرة، ويزيل من الأفئدة الكره والضغائن، ويرفع عن الناس سوء ما يقعون فيه لو استمروا في التمادي في عداء بعضهم بعضاً، وتركزت في نفوسهم الرغبة في الانتقام أو الثأر من خصومهم التي لا تؤدي إلى شيء ملموس غير الكره بين المسلمين، فيا أبناء وطني ويا من نزل في أرضهم الدين الذي ارتضاه الله للمسلمين، وأختم بقول النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل حين قال له «يا جبريل ما هذا العفو؟ فقال جبريل «إن الله تعالى يأمرك أن تعفو عمن ظلمك وتصل من قطعك وتعطي من حرمك».
حفظ الله المملكة وشعبها.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٨٦٤) صفحة (٨) بتاريخ (١٠-٠١-٢٠١٧)