ما زلت أذكر حتى اليوم ذاك الفيلم الأمريكي الذي تحدثت عنه الصحافة الفرنسية بإسهاب في العام 2009، فيلم يحمل عنوان «العودة من الجحيم» وقصته تدور حول جندي أمريكي يعمل في صفوف المارينز في أفغانستان، ويعود إلى مقر إقامته في نورث كارولينا محملا بعديد من الأمراض النفسية، بالإضافة إلى إصابته الجسدية، حيث تُفاجأ عائلته بالتغيير الذي طرأ على شخصيته بعد تلك التجربة، وتعمل ما بوسعها لإعادته إلى الحياة الطبيعية، لكن المهمة لم تكن بتلك السهولة.
خلال الخمسة عشر عاما الأخيرة، رصدت هوليود مليارات الدولارات لإنتاج عشرات من الأفلام الروائية والوثائقية حول حربي العراق وأفغانستان، ووجه عديد من المخرجين عدساتهم لسبر غور تلك المأساة التي تسببت فيها سياسات حكومتهم الكارثية في تلك المنطقة.
لكن أيا من تلك الأفلام والروايات لم تصل بالخيال إلى الواقع المؤلم الذي شهدته ولاية فلوريدا مطلع هذا الأسبوع، عندما أقدم جندي أمريكي من أصول لاتينية يدعى استيبان سانتياغو على فتح النار في ردهة مطار دولي فأردى عشرات بين قتيل وجريح ولاتزال دوافع ذلك العمل مجهولة حتى الساعة.
لم أكن بحاجة إلى سماع شهادة المقربين منه قبل أن أربط بين ما أقدم على فعله وبين فترة خدمته في العراق لمدة لا تزيد عن العام، لكنها خلفت كثيرا من الأسى في نفسه بعد أن قتل رفيقاه في تفجير عبوة ناسفة زرعت على قارعة الطريق، هناك من يتحدث عن إصابته بأعراض نفسية منذ عودته ومن يؤكد سماعه بين الفينة والأخرى لنداءات تدعوه للانضمام إلى تنظيم داعش، وبين هذا وذاك تبقى الحقيقة المرة التي يرفض غالبية الساسة الأمريكيين الاعتراف بها.
حقيقة مفادها أن ثمة لعنة ستطارد الولايات المتحدة وستؤرق مضجع الإدارة الأمريكية، وأن الأمر لن يكون كحرب فيتنام التي تحول بعض المشاركين فيها إلى دعاة سلام وناشطين ضد بلادهم وسياساتها فقط، فالفظائع التي ارتكبها المحتل الأمريكي في العراق وتلك التي ارتكبت باسم قراراته غير المحسوبة في هذا البلد حتى يومنا هذا، ستُطيل أمد تلك اللعنة لسنوات بل لعقود مقبلة.
ولا يبدو أن الأمر سيتغير في العهد الجمهوري الجديد، فكل المؤشرات تنذر باحتمالات مؤكدة نحو ارتكاب أخطاء أعظم مما سبق ليس في العراق فحسب بل في دول الإقليم برمتها، وقد لا تنجو روسيا في المقابل من لعنة مماثلة توازي تدخلها العسكري في سوريا الذي لايقل وحشية ولا رعونة عن نظيره الأمريكي، وغداً لناظره قريب.

إيمان الحمود
كاتبة واعلامية سعودية تلقت تعليمها المدرسي في مدينة الجبيل الصناعية شرق المملكة العربية السعودية ،عملت في وسائل… المزيدكاتبة واعلامية سعودية تلقت تعليمها المدرسي في مدينة الجبيل الصناعية شرق المملكة العربية السعودية ،عملت في وسائل إعلامية عدة بينها صحيفة الشرق الأوسط اللندنية بعد أن أكملت دراستها الجامعية في المملكة الأردنية الهاشمية وانتقلت بعدها إلى فرنسا لإكمال دراستها العليا ، تعيش وتعمل في العاصمة الفرنسية باريس منذ العام 2006 ، وأصدرت كتابها الأول مع مجموعة من المثقفين العرب تحت عنوان "باريس كما يراها العرب " عن دار الفارابي في بيروت .
نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٨٦٥) صفحة (١٦) بتاريخ (١١-٠١-٢٠١٧)