اثنان من العظماء عَلَّماني، وأحسنا تعليمي، معنى الحياة، وكيف ينبغي لـ «أَحْكَم» الناس أنْ يعيشها، وهما: الفيلسوف الإغريقي «إبيكوروس»، وشاعر «جدارا» القديم «أرابيوس».
أنتَ لستَ مَدْعوّاً إلى أنْ تُؤْمِن بكل ما آمن به «إبيكوروس» من مبادئ؛ لكنَّك مَدْعُوٌّ إلى أنْ تعرفها، «إبيكوروس» عَرَف أنْ لا حياة للإنسان مِلؤها الحياة إذا لم يَفْهَم الموت في طريقة مختلفة؛ في طريقة جديدة، وجيِّدة.
لقد فكَّر مَليَّاً في الحالة التي تسمَّى الموت، الذي هو العاقبة الحتمية للحياة نفسها؛ فأنتَ لا تستطيع العيش إلاَّ بشيءٍ من الموت، يُخالِط حياتكَ، وربما يُولِّد، ويُراكِم، فيكَ من أسباب الموت، أيْ تلك اللحظة التي تشبه في أهميتها ووزنها القطرة التي أفاضت كأس الماء.
ونصح «إبيكوروس» الناس ألاَّ يُضيِّعوا، أو يستنفذوا، وقتهم وجهدهم لاكتساب المال، أو الشهرة، أو السلطة؛ لأنَّ الاستمتاع بما اكتسبوه من هذه الأشياء لا يساوي ما بذلوه من وقت وجهد؛ إنَّ هذا السعي مُكْلِفٌ جدَّاً، ولا يتناسب، من ثمَّ، مع النتيجة المنشودة، ألا وهي لحظة الاستمتاع بما أُنْجِز (أيْ بما اكتسبوه من مال، أو شهرة، أو سلطة).
الحياة، وأزمنتها الثلاثة: الماضي والحاضِر والمستقبل، هي كنَهْرٍ جارٍ، تَقِفُ في وسطه، وتلعب بمياهه؛ فهل تلعب بمياهه التي جَرَت، فأصبَحَت وراءكَ، وبعيدةً عنكَ، أم تلعب بمياهه التي تجري في اتجاهك؛ لكنَّها لم تصلكَ بَعْد؟
كلاَّ؛ إنَّكَ لا تلعب، لا بهذه، ولا بتلك، من مياهه. إنَّكَ تلعب، وتستطيع أنْ تلعب، بمياهه التي حَوْلكَ فحسب؛ فَعِشْ الحاضر؛ لأنَّكَ لا تملك من الزمن غيره؛ فالماضي لا يعود، والمستقبل لم يأتِ بَعْد. وإنِّي لأعْجَبُ من إنسانٍ يقضي ويستنفد حاضره الذي هو الحياة بواقعها نادِماً آسِفاً على ما مضى، قَلِقاً خائِفاً مِمَّا سيأتي؛ فمتى يحيا ويعيش؟!
وأَعْجَبُ أكثر من إنسان بَلَغ من العُمْر عتيَّاً وما زال اكتناز الذهب والفضة يستعبده؛ يُقتِّر على نفسه، وهو الذي لديه من المال ما لا تأكله النَّار؛ فإذا سأَلْتَهُ عن السبب أجابكَ قائلاً: أُخبِّئ «قرشي» الأبيض ليومي الأسود!
لقد اعتدتَّ في حياتكَ عادات كثيرة، إلاَّ عادة واحدة هي التسامي عَمَّا يملأ حياتكَ اليومية من أمور وأشياء واهتمامات وهموم صغيرة تافهة؛ فأنتَ كمثل من ألصق وجهه بشجرة صغيرة هي جزء من غابة؛ فكيف له أنْ يرى الغابة؟!
وليس من شيء يستطيع انتشالك من توافه حياتكَ اليومية التي باستبدادها بكَ تريك «الحبَّة» بحجم «قُبَّة» إلاَّ أن تفكر في الكون، وأنتَ حُرُّ الذِّهن من قيود الأجوبة، حتى تُدْرِك، عندئذٍ، كم أنتَ صغيرٌ بهمومكَ واهتماماتك، بما تحب، وبما تكره، بما يُفْرِحكَ، وبما يُحْزِنكَ.
إنَّكَ مَدْعوٌّ إلى اكتساب وعيٍ، لو وَضَعْتَ بميزانه كل ما تستعظمه من أمور في حياتكَ اليومية لَمَا وَزَنت شيئاً؛ وإنَّ لهذا الوعي الذي نفتقده عيوناً تريكَ الأشياء في حجومها الحقيقية الواقعية، «فالحبَّة» لا تُريكَ إيَّاها« قُبَّة»، و«القُبَّة» لا تُريكَ إيَّاها «حبَّة».
وهذا الوعي يُمكِّنكَ من السيطرة على مشاعر الحزن والأسى، والتحكُّم فيها؛ فلو حَدَثَ ما يمكن أنْ يُطْلِق ويثير هذه المشاعر في نفسك، فاسْأَلْ نفسكَ هذا السؤال: هل لهذه المشاعر أنْ تظلَّ على ما هي عليه الآن من شدَّة وقوَّة بعد سنة أو سنتين؟
أَجِبْ؛ ثمَّ أَجِبْ عن السؤال الذي يعطيك إياه الجواب؛ وهذا السؤال هو: لِمَ لا تَجْعَل هذه المشاعر الآن بالحجم الذي ستكون عليه بعد سنة أو سنتين؟
إيليا أبو ماضي قال: أَحْكَمُ الناس في الحياة أُناسٌ علَّلوها فأحسنوا التعليل؛ وإنِّي لأنصح بالاستعانة بالفيلسوف الإغريقي «إبيكوروس» في تعليل، وحُسْن تعليل، الحياة، وبزيارة «حجر الشاهد» لقبر «أرابيوس» الذي نقشت فيه عبارته العظيمة «أيُّها المارُّ مِنْ هنا، كما أنتَ الآن كنتُ أنا؛ وكما أنا الآن ستكون أنتَ؛ فتمتَّع بالحياة؛ لأنَّكَ فانٍ».
والآن هل فكر كل واحد فينا كيف يعيش؟؛ لأن فِعْل الموت ليس بذي أهمية؛ فهو يستغرق زمناً وجيزاً.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٨٦٦) صفحة (٩) بتاريخ (١٢-٠١-٢٠١٧)