عندما بدأت الكويت في التفكير في حفظ فوائضها المالية من بيع النفط عام 1953م، واستثمارها باحترافية كخطوة استباقية تسجل باسمها في إنشاء (صندوق سيادي)، بحيث يكون كمستودع يُرحل فيه كل ما زاد عن الحاجة ويدار بعقول خبيرة وضليعة في أسواق البورصة العالمية (نيويورك ولندن وطوكيو) بشكل مبدئي، وهو ما أثرى تلك البورصات لفترة طويلة، الفكرة قامت بها بلدان أخرى وبالذات دول الخليج التي تتزعم أربع منها أكبر عشرة صناديق سيادية عالمية بما يتجاوز 2.5 تريليون دولار، فيما تتوزع الدول الأخرى بين شرق آسيا وبعض دول أوروبا وأمريكا، ونمت الآن إلى دول أخرى في قارتي أمريكا اللاتينية وإفريقيا ترى في مثل هذه الاستراتيجية ملاذاً آمناً يحافظ على استقرارها المالي وقت الأزمات وحماية للاقتصاد والموازنات من التذبذبات للصادرات والعملات، تلك النقلة النوعية في التوجه لفتح الصناديق السيادية صعدت بحجم استثماراتها إلى ما يتجاوز 7 تريليونات دولار، وبحسب الدراسات التنبؤية التي تقوم بها دُور الخبرة فحجم الأموال سيتجاوز 13 تريليون دولار خلال العقد القادم بحسب (ستاندرد تشارترد)، ربما يعاب على هذه الصناديق الغموض وعدم الشفافية ونظام حوكمة واضح، أيضا من حيث ملكية الصناديق بعدما كانت تدار ويمتلكها عوائل ثرية ومالكة مقربة من السلطة تطورت ونضجت العقول التي تديرها بعدما انتقلت الملكية إلى حكومات، وتوسعت دائرة التنوع في امتلاك الأصول المثمرة بالذات في المجال العقاري التي تقدر بـ 55% من إجمالي الاستثمارات والمعادن النفيسة وصناديق التحوط والأسهم والسندات، ومؤخرا التوجه للاستثمار في السياحة والخدمات التكنولوجية والاتصالات، وهذا ما حدث بالذات للسعودية محور حديثنا بعد الاندماج في استثمار مشترك مع الياباني الملياردير: ماسا يوتشي سون مالك شركة (سوفت بانك) في استثمار يصل إلى 100 مليار دولار، يملك الصندوق السيادي السعودي 45% من قيمته، أيضا الاستثمار في شركة (أوبر) للنقل بمبلغ 3.5 مليار دولار، وشركات أخرى في صفقات قيمتها غير معلنة مثل وادي السليكون ومايكروسوفت، كل هذه الفرص التي يحرص مسؤولو الصندوق اقتناصها ذات فوائد متعددة مستقبلا في تطوير القدرات البشرية ونقل الخبرات وفتح المصانع المشتركة داخل المملكة.
السعودية سيلت 70 مليار دولار من حجم الصندوق السيادي عام 2016م؛ حيث انخفضت قيمته إلى 598.4 مليار دولار، ويقع في المرتبة الرابعة عالميا بعد النرويج وصندوق أبوظبي والصين. وبيع السعودية لجزء من ملكية صندوقه لم يكن حدثاً فريداً؛ فبعض الدول النفطية أيضا قامت بنفس الإجراء مثل روسيا والنرويج لمعالجة العجز في ميزانياتها.
السعودية وحسب ما صرح به صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان ولي ولي العهد تهدف إلى أن يكون الصندوق السيادي السعودي الأكبر كماً وكيفاً الذي يتجاوز كافة صناديق الصين السيادية الثلاثة بحجم يصل إلى 2 تريليون دولار بعد بيع 5% من حصة المملكة في أرامكو في طرح سيكون حديث أسواق المال عالميا خلال هذا العام أو الذي يليه، ويتم التوجه مباشرة في استثمار هذا المبلغ الكبير في قيمته داخليا وخارجيا، والتفاوض على قدم وساق للاستثمار في بلدان متعددة ذات أبعاد استراتيجية وسياسية وريع متميز ومستقبل مبهر، فيما لو تمت إدارته بالصورة التي يتأملها كل مطلع على دهاليز هذا التحول في فكر اقتصاد يهدف إلى الهروب من نفق النفط إلى أفق التنوع الشامل والواعد لأجيال المستقبل.

ناصر الخضر
ناصر عبدالله الخضر بكالوريوس إدارة أعمال، عمل في عدة بنوك سعودية وله مساهمات في المؤتمرات الاقتصادية محلياً وعربياً… المزيدناصر عبدالله الخضر بكالوريوس إدارة أعمال، عمل في عدة بنوك سعودية وله مساهمات في المؤتمرات الاقتصادية محلياً وعربياً وعالمياً ويعمل حالياً مدير تحليل أسواق المال في شركة الاتصالات السعودية.
نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٨٦٦) صفحة (٩) بتاريخ (١٢-٠١-٢٠١٧)