محمد إبراهيم فايع

محمد إبراهيم فايع

يبدو لي أن ليس كل من عمل في الإعلام أنه يمتلك «المهنية» اللازمة للإعلامي الجيد، أو يحمل صفة الإعلامي الذي يدرك مسؤولية الكلمة المكتوبة أو المنطوقة، فمن غير المنطق أن تتحول «فضائيات عربية» إلى منابر لممارسة الشتم ومنصات للسخرية ورمي التهم جزافا، دون تثبت، لمجرد «الاختلاف» في الرأي، بل من كان هذا أسلوبه فهو يعبر عن حالة من «الانهزامية والضعف»، فلم يجد أمامه سوى اللجوء إلى «قاموس الشتم» ليستخرج منه ما يناسبه من المفردات البذيئة لرميها مخالفيه، يمكن لأي إعلام دولة أن يفند، يتحقق، يعقب، يخالف، يرد، لكن وفق الطرق والأساليب التي لا تسيء للآخرين، فالخلافات قد تنتهي بين الدول، وقد تلتقي المصالح، لكن ما يبقى في النفوس هي تلك «الشتائم» التي تنزع الثقة بين الشعوب وتعمل على «استفزازها». يخطئ هذا الإعلامي أو ذاك، حينما يظن أنه بلغة «الشتم» سيحقق أهدافه، أو أنه سيضطر من يهاجمه للانصياع لرغباته هربا من شتائمه، فكل ما يكون أنجزه لا يعدو من كونه مارس «فضفضة السفيه» التي تسيء له أولا، وتعري مبدأه ومنهجه في الاختلاف مع الآخرين ثانيا، فإعلام الصراخ والجعجعة والخطب قد اندثر ومات ودفن منذ زمن، وبلادنا المملكة العربية السعودية، بفضل الله ومنذ قيامها لم ينزلق إعلامها «المرئي أو الورقي» إلى مستوى متدنٍّ من اللغة أو الخطاب، ولم يفقد المعايير المهنية الإعلامية التي ترعى للكلمة مسؤوليتها، مثلما نحن نسمعه ونشاهده في فضائيات عربية مع الأسف تجاوز إعلاميوها الحدود في اللياقة الإعلامية، وفقدوا صوابهم، وتاهت بوصلتهم، وفقدوا مهنيتهم، وخرجوا عن طورهم في مشاهد هي في بعض صورها أقرب إلى «الكوميديا المضحكة» وفي النهاية لن يتحقق شيء مما هم يظنون أنهم سينالونه بعد حفلات الشتم تلك التي أقاموها، إن حرية الإعلام تكفل لكل إعلامي أن يعبر عن آرائه، ويدفع عن قيمه وبلاده ما قد يراه تصحيحا أو إيضاحا لمواقفها، لكن لا تعني الحرية الإعلامية، أن يقوم الإعلامي «بالشتم والإساءة لرموز ودول وشعوب» ويظن أنه بذلك قد خدم قضيته، وانتصر لمبادئه، وينسى أنه قد «يصب الزيت على النار» ليشعل مزيدا من الحرائق قد يصعب إطفاؤها وتسيء إلى العلاقات بين الحكومات والشعوب، يجب أن ينتصر إعلام الأخلاقيات، إعلام الحكمة على إعلام اللغة الرخيصة والشتم التي استخدمت من إعلاميي فضائيات عربية، ثبت أنهم بحاجة إلى العودة لمدرجات الجامعة لدراسة أخلاقيات الإعلام من جديد، ودراسة مهنية الإعلامي كيف تكون وكيف تمارس، حتى لا يؤذي نفسه أولا ويسيء لبلده ثانيا.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٨٦٩) صفحة (٨) بتاريخ (١٥-٠١-٢٠١٧)