ربما بعضهم قد يستنقص مثل هذه الأعمال أو يستهين بعملها، ولكن هذه الأعمال الإنسانية تجد في الغرب الأوروبي وأمريكا صدى واسعاً من التكريم والاحتفال ووضع مجسمات تذكارية لأصحاب هذه الأعمال، كذلك قد يستنقص بعضٌهم مهنة التمريض ويجعل ترتيبها في ذيل قائمة المهن والسبب هو قلة الوعي والثقافة لدينا …

سطرت الممرضة «عبير العنزي» أروع المواقف والأمثلة بتبرعها بجزء من كبدها لطفلة لا تعرفها تسكن مدينة الرياض، وكانت الممرضة التي تعمل في أحد المستشفيات بسكاكا بمنطقة الجوف، وبعد سماعها لنداءات والدة الطفلة عبر مواقع التواصل الاجتماعي تحرك بداخلها العمل الإنساني الجميل الذي نادراً ما لا يستطيع أن يقدمه أحد لمن حوله، سواء من أقاربه أو ذويه، وهذه الطفلة الصغيرة التي كانت ترقد بمدينة الأمير سلطان الطبية العسكرية بالرياض، قدمت إليها هذه الممرضة من الجوف مسطرة أعظم المواقف الإنسانية وآخذة بقول الله تعالى «ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً» وتبرعت لها بجزء من كبدها، ونالت بهذا العمل أجراً كبيراً في إنهاء معاناة طفلة من المرض أو من الموت لا قدر الله، وقد تم تكريم الممرضة قبل خروجها من مدينة الأمير سلطان الطبية بإقامة حفل تكريمي لها من قبل الإدارة وتقديم الهدايا العينية لها، كما قام معالي وزير الصحة الدكتور/ توفيق الربيعة أثناء تفقده لمستشفيات الجوف بتكريم هذه الممرضة جراء ما قدمته من عمل إنساني كبير في حق هذه الطفلة البريئة.
الأعمال الإنسانية العظيمة لا يستطيع الإقدام عليها إلا من لديه إيمان كامل بما يقدمه من عمل، حيث لا يرجو من ذلك لا فلاشات إعلامية ولا ينتظر هدايا عينية إنما يقوم بذلك العمل لوجه الله تعالى، وبالتالي يصبح العمل عظيماً ومقدراً، فقد نالت الممرضة عبير إعجاب كثير من الناس في مواقع التواصل الاجتماعي واحتفوا بعملها الإنساني الجميل وسطروا أجمل الكلام بحقها لأنها تستحق ذلك، وهي التي قامت به دون ضغط من أحد أو مجاملة، إنما أقدمت كنوع من التبرع بجزء من كبدها لإسعاد أسرة كاملة بتعافي طفلتها، فهنيئاً لنا بعبير العنزي على إنسانيتها الرائعة التي جسدت أفضل المواقف في وطننا الغالي وهو ليس بمستغرب على أبناء هذا الوطن في الإقدام على المواقف الإنسانية الجميلة.
كما ذكرني هذا الموقف الرائع بموقف شبيه له حاز على إعجاب كثير من الناس قبل عام ونصف العام تقريباً، عندما أقدمت السيدة/ أريج القحطاني وهي ممرضة متخرجة حديثاً آنذاك في إنقاذ حياة شاب تعرض لطلق ناري بأحد المولات بالرياض لحين قدوم سيارة الإسعاف لإسعافه وكان لموقفها البطولي وشجاعتها دور كبير في إنقاذ حياة ذلك الشخص حيث لم يرعبها سماع إطلاق النار وحالة الفوضى التي كان عليها السوق، إنما تمالكت نفسها واستعانت بقوة الله ثم بقوتها وإرادتها وأنقذت الشاب، وتمت مكافأتها من قبل صاحب السمو الملكي الأمير متعب بن عبدالله وزير الحرس الوطني بتعيينها على إحدى الوظائف المناسبة لمؤهلها بالشؤون الصحية بوزارة الحرس الوطني تقديراً لموقفها البطولي.
ربما بعضهم قد يستنقص مثل هذه الأعمال أو يستهين بعملها، ولكن هذه الأعمال الإنسانية تجد في الغرب الأوروبي وأمريكا صدى واسعاً من التكريم والاحتفال ووضع مجسمات تذكارية لأصحاب هذه الأعمال، كذلك قد يستنقص بعض مهنة التمريض ويجعل ترتيبها في ذيل قائمة المهن والسبب هو قلة الوعي والثقافة لدينا، ومما ترسخ في أذهاننا جميعاً أن هذه المهنة هي مهنة لا تصلح لأولادنا مما جعلنا نستقدم عشرات آلاف من الممرضات من شرق آسيا بسبب الحاجة الملحة لهم، فمهنة التمريض من أشرف المهن وأقدمها، فقد كان هناك صحابيات يرافقن الجيوش الإسلامية ويسعفن الجرحى ويداوين جراحهم وكانت الصحابية «أم عطية الأنصارية» رضي الله عنها من أشهر الطبيبات في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وغزت معه في غزوة خيبر في السنة التاسعة للهجرة، وهناك «نسيبة المازنية» التي خرجت تداوي الجرحى في غزوة بدر في السنة الثانية للهجرة، وكثير من أسماء اللاتي لهن شهرة في الطب والتمريض على مر العصور الإسلامية، فهذه المهنة يجب الاهتمام بها وتوفير الوظائف المناسبة للمتخرجين والمتخرجات الجدد وتكثيف الدورات المهنية لهم لتطوير قدراتهم في هذه المهنة، كما يتحتم على الجهات التي لديها مهرجانات وفعاليات كل سنة أن تكرم هؤلاء تكريماً يليق بهم وتخصص لهم الجوائز العينية من خلال فتح باب التبرعات للقطاع الخاص ليقوم بدوره في هذا المجال.
ختاماً سيظل أي عمل بطولي يُقدم عليه أي فرد منا هو عمل يُخلد اسمه من بين ملايين الناس، كالتبرع بجزء من جسمه لإنقاذ حياة فرد ما أو إنقاذ أناس كانوا في أمس الحاجة للإنقاذ، فليكن ذلك ديدن كثير منا وتشجيع مثل هذه الأعمال في كل وقت وكل مكان.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٨٧٠) صفحة (٩) بتاريخ (١٦-٠١-٢٠١٧)