تركي رشود الشثري

تركي رشود الشثري

يقول توماس هوبز (المجتمع البشري هو في حالة صراع وتنافس مستمر، وذلك لأن كل إنسان لا تحركه سوى اعتباراته الذاتية المتعلقة بأمنه وقوته إن النتيجة التي تترتب على ذلك هي الحرب الدائمة).
وخير منه قوله تعالى (الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ).
الوفاق الدائم موجود، والسلام الدائم أيضاً موجود، ولكن إن فكرت بالبحث عنه فاعلم أنك لن تجده إلا في خيالات الفلاسفة، وأما في الواقع فلا أثر له البتة؛ فالإنسان الطبيعي إنسان مصارع دون احتياجاته، ودون اشتراطاته، ودون افتراضاته، ودون قناعاته، ودون أفكاره، ودون مبادئه، وكذلك الزواج الطبيعي يتخلله فترات من الصراع كبرى وصغرى؛ نظراً لتصادم الرغبات وتعارض الأهداف واختلاف الوجهات، وكذلك المجتمع الطبيعي يمور بالصراعات موراً لحظوظ الناس ومواقف التكتلات والانحيازات العرقية والفكرية والدينية وغيرها. والعالم اليوم أجمع منذ ساعات الصباح الأولى وعلى نشرات الأخبار التي تنقل لنا كيف يدير ساسة الأمم صراعهم في أروقة الأمم المتحدة أو مجلس الأمن أو غيرها بل وحتى الإنسان في ذاته ومع نفسه، في صراع بين الرغبات الآنية الأنانية والأهداف الإنسانية بعيدة المدى. وعليه فلا وفاق دائم، ولا سلام دائم. وفي دراسة استمرت عشرين سنة خرج من خلالها الدارس جون جوتمان وفريقه بنتيجة أن 69% من المشكلات الزوجية تكون دائمة وليس لها حل، ولك أن تتخيل وقع هذا الخبر على كثير من الأزواج والزوجات الباحثين عن الوفاق الدائم والسلام الدائم، إنها قنبلة ستقع على رؤوسهم، خصوصاً إن كانوا ممن يرون أن سفينة الزواج هي مركب الإنقاذ من ماضٍ مؤلم تعيس، ولكن هل هذا كل ما هنالك؟ لا؛ فهذا الخبر جيد الوقوف عليه والعلم به، ومن ثم الالتفاف عليه، فبدلا من أن تضرب رأسك بالجدار في كل مرة يندلع فيها المشكل الزوجي بإمكانك أن تنظر من زاوية جديدة وهي هل لهذا المشكل حل قريب أم بعيد أم أن الزمن هو الكفيل بحله أم أنه ناتج عن الاختلاف البيئي أو الثقافي أو التعليمي بيني وبين شريك حياتي؟ فإذا كان كذلك وأضيف إليه طبع ملحاح على شخصية شريك الحياة يدفع في اتجاه استمرار الخلاف، فأنت إذن أمام مشكلة لا يُبحث فيها عن حل، ولكن عن طاولة تفاوض تتنازل فيها عن شيء وشريكك عن شيء، وتعوضه بشيء ويعوضك بشيء مكافئ مع التعهد بالقيام ببعض الأشياء، ولو خالفت القناعة الشخصية لك أو له ووضع لافتات تذكيرية كي لا يستمر الخطأ مع تكرر الموقف عبارة عن كلمة تذكره ويذكرك من خلالها بتفاوض الطاولة المستديرة مع وضع هامش للنسيان وضغوط الحياة، ولا تنسَ نصيبك من التغابي والتغاضي وتمشية الأمور، وأتمنى لك ليلة سعيدة يا عزيزي، وهذا كل ما في الأمر.
(وداعاً للحلول السحرية التي تقلب مرارات الحياة حلوى وشيكولاتة..؟! ).
إذا كان الصراع أمراً لا بد منه فإن إدارة الصراع بشكل إيجابي هو الضامن للاقتراب من الآخر الذي يهمنا أمره ويهمه أمرنا من أب أو أم أو زوجة وأبناء أو رئيس عمل أو مرؤوس، فبخلاف ما يتوقع بعض الأشخاص من أن مواجهة المشكلة والتصريح بها وتعريتها لفظياً وكشفها والصراع حولها أن ذلك يباعد بين القلوب؛ فالأفضل التجاهل والكبت والصمت الذي ستظهر آثاره على شكل إجهاد مزمن أو غيرها من الأمراض العضوية التي يسببها قلة البوح وتبادل الحقائق وحل المعضلات مع الآخرين بثقة متبادلة وبصدق وبمحاولة الكسب للطرفين والفوز للمتحاورين.
وليس المهم الحق مع من أو من تفوه به، بل المهم أين هو الحق؟ ودِّع (الأنا الداخلية)، وانعم بعيش سهل ومرن وطبيعي ومريح.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٨٧٠) صفحة (٨) بتاريخ (١٦-٠١-٢٠١٧)