د. يعن الله الغامدي

د. يعن الله الغامدي

يروى أن صياداً كان السمك يعلق بصنارته بكثرة وكان محسوداً من زملائه الصيادين. وذات يوم استشاطوا غضباً عليه بعدما لاحظوا أنه يحتفظ بالسمك الصغير ويعيد السمك الكبير إلى البحر وصرخوا عليه: ماذا تفعل هل أنت مجنون لماذا ترمي بالسمك الكبير؟ فأجابهم «لأنني لا أملك إلا مقلاة صغيرة!».
هذا منتهى طموح ذلك الصياد وإلا ربما لو استبدل المقلاة لما وجد السمك الكبير، وربما لو جرب أصحاب المقلاة الكبيرة السمك الصغير لفضلوه! إن الإنسان لديه القدرة على التأقلم مع الحياة التي يعيشها وعليه البحث عن سعادته وهو بفطرته مجبول على حب ذاته حسب قدراته، وليس من العيب أن يكون فيك شيءٌ من ذلك، ولكن العيب أن يكون فيك شيءٌ كثير من الأنانية التي ترقى بك إلى درجة الغرور والكبرياء. وقد قيل إن الأنانية من مكائد النفس الأمارة بالسوء؛ لأن منبعها وخيم قد تصل بالإنسان إلى حب التملك والسيطرة على حقوق الآخرين بغير وجه حق؛ لأن حب الذات المبالَغ فيه قد يتخذ شكل حالة مرضية تتجاوز قيمة الشخص إما لشعوره بالنقص وإما لعجزه عن مجاراة الآخرين مثله مثل ذلك المسؤول الذي يرى نفسه كالطاووس مزهوّاً بشخصه إلى حد النرجسية لا ينظر لغيره إلا بنصف عين ولا يتكلم إلا من طرف «خشمه»، لا يقبل النصيحة من أحد ولا يحب الاعتراف بالخطأ، لا يشعر بحاجة غيره ولا يعلم عما يدور حوله، وما أكثرهم في إداراتنا ومؤسساتنا سواء كان منهم المدمنون على سماع كلمات المدح والثناء أو المزهوون بحركات الكبر والغطرسة، وهم يغلبون مصلحتهم على مصلحة الوطن؛ إذ لا همَّ لهم إلا التشبث بهذا الكرسي، وما علم المسكين أن المنصب ذكرى لا يملك منه إلا حسن العمل وفضل الخلق، ولو دام لغيره لما وصل إليه، ولكنه من الناس الذين يموتون وهم أحياء إذا مات الضمير، وعند موت الضمير يصبح الإنسان في الغالب كالحيوان تحركه ربطة النقود كما تحرك الحيوان ربطة العلف. إننا لا نريد فضائل تمشي على الأرض وتُرى بالعين المجردة بقدر ما نريد من يسعى إلى النهوض بإدارته لا من يسعى إلى تثبيث أقدامه في إدارته، هذا إذا كان حب الوطن فوق كل الاعتبارات ومصلحة المواطن فوق كل الحسابات كما يقول أولياء أمرنا. أقول ذلك بعد هدر كثير من الوقت لمعاملة صغيرة لي كانت بين بعض إدارات المحافظة.
لقد كتب عدد كبير من الباحثين والدارسين عن أنواع المديرين وأسهبوا في وصفهم إلى درجة أن بعض الدراسات اتفقت على أن هناك من المديرين من أطلقوا عليه المدير الذي لا يطاق، بل أقسم بعضهم على أن الشيطان أفضل من مديرهم، وأما أنا فأقول اللهم لا تجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أسوأه. قالت الضفـدع قولاً.. رددتـه الحكـماء في فمي ماء وهل ينطق من في فيه ماء.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٨٧٠) صفحة (٨) بتاريخ (١٦-٠١-٢٠١٧)