كثيراً ما نجد أننا نتخذ قرارات خاطئة لا نستمع فيها لأنفسنا، ونذهب ضحيتها لمجرد أننا لم نستمع إلى نداء كان في الداخل يحذرنا من اتخاذ هذا القرار، ولعل معظمنا يتذكر بعضاً منها بعدد سنين العمر، وكلما نضجنا أكثر، شعرنا بتلك المشاعر حينما تلامس نبضات القلب بسرعتها أو انخفاضها فنكرر «الله يستر»، «الله يمرر هذا اليوم على خير»، وما هذه إلا رسائل يبعثها القلب والذاكرة التي تتطلب منا التوقف، وعدم اتخاذ قرار لن يكون صائباً حينها، أو نسلك طريقاً غير مريح لنصل لنهاية غير معروفة. ولأن معظمنا لا يستجيب لهذه الطلبات الداخلية، يجد نفسه في مأزق بين «بسيط» أو «معقد»، حسب الموقف.
لذا نجد أن الروحانيات تركّز كثيراً على القلب وضرورة اتباع مساراته وخطواته، وهذه الخطوات دليل للوصول لحالة السكينة التي ينشدها الإنسان، ولعلنا نجد هذا بشكل واضح فيما ذهب إليه شمس التبريزي ضمن علاقته بجلال الدين الرومي، حينما تبع رؤيته ومناماته وأحلامه التي كانت تقوده نحو مدن بعيدة للوصول إلى رؤية ظلت تتكرر معه سنين طويلة، كما نجد هذا واضحاً في الأعمال الروائية للكاتب البازيلي بولو كويلو الذي ركَّز في أعماله الأدبية على فكرة الخلود من خلال الأحلام واتباع الرؤى للوصول للفكرة التي تسيطر على أبطال أعماله الروائية التي بنيت على رؤى فلسفية وأسطورية باحثة عن الراحة النفسية للإنسان، وهذا ما نجده أيضاً بشكل واضح ضمن الأعمال الأدبية الغربية في القرن العشرين، فكانت تبحث في ماهية الوجود والإنسان من الداخل، وقد ركزت الفلسفة الغربية على ذلك طيلة القرن الماضي، فكانت الوجودية مذهباً غارقاً في الإنسان وسلوكياته.
وبعيداً عن التبحر الفلسفي نحاول أن نلامس في هذه العجالة تلك المسارات القلبية التي يجب أن نستمع لها، ولا نهملها حينما تأتي، مستمعين لما قاله بعض الفلاسفة (قلب الإنسان ليس إلا مجرد صيحة، التصق بصدرك لكي تسمعها) وما تلك الصيحة إلا حالات قد يمر بها الواحد منا في كل يوم ضمن علاقته اليومية، وعليه ألا يبتعد عن هذا الصوت الذي كان في الماضي صرخات مثقلة بالأنين تمر عبر التجاهل الداخلي، فيكون انعكاسها سلبياً يؤدى إلى فقد كثير من الشخصيات المقربة، بسبب تجاهل الطاقات الداخلية التي تبعث على حالات التوتر في بعض الأحيان.
لماذا تعودنا على أن نجري أمورنا بشكل عاجل، لماذا نفرض على أنفسنا ما لا طاقة لنا به في كثير من الأحيان، ولماذا نجبر الذات على قبول شخصيات لا يستريح لها القلب، وكل منا يستطيع أن يتدارك ما يمكن الوقوع فيه قبل حدوثه، حينما يستمع إلى نبضاته، فلا يثير الضجيج من حوله، ولا يزعج ذاته بتنفيذ أمرٍ يمكن تأجيله لوقت آخر، حينها سنجد أن تلك المواضيع التي تأجلت عادت بحكمة الوقت، والزمن الذي يمنحها حالة النضج في الوصول لمكونها الإنساني، بعيداً عن الاستعجال في تنفيذها، وكذلك العلاقات الإنسانية التي تحتاج لمزيد من الوقت لنضجها، والإحساس بأهميتها وقوتها. فقط لنمنح أنفسنا لحظات صفاء نستمع فيها لنبضات قلبنا ونستجيب لمشاعرنا بطاقة إيجابية وبعيداً عن السلبيات كي نستطيع فتح ستارة النهار بشموس مشرقة.

عبدالوهاب العريض
اعلامي وكاتب عمل في العديد من الصحف المحلية والعربية، صدرت له مجموعة شعرية بعنوان محبرة تنتحب 2008، بإسنان صاغها… المزيداعلامي وكاتب عمل في العديد من الصحف المحلية والعربية، صدرت له مجموعة شعرية بعنوان محبرة تنتحب 2008، بإسنان صاغها الليل 2015، شارك في العديد من المؤتمرات والمهرجانات العربية والدولية، يعمل حالياً مدير لتحرير القسم الثقافي والرأي في صحيفة الشرق
نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٨٧٢) صفحة (٩) بتاريخ (١٨-٠١-٢٠١٧)